top of page

"من حالة "مأزق

إدوارد غليسون
ترجمة: حسام المجلي

مارتينيك ليست جزيرة بولينيزية(2)، ومع ذلك، هذا اعتقاد كثير من الناس ممن الذين يودّون زيارتها للترفيه؛ نظرًا لسمعتها. أعرف شخصًا، لطالما كرّس نفسه للقضية الكاريبية، كان يزعم مازحًا أنّ سكان جزر الهند الغربية (يقصد سكان جزر الهند الغربية الناطقين بالفرنسية) قد حققوا أقصى درجات الهمجية. تخيّل سياسي مارتينيكي، على سبيل المزاح، أنه في عام ٢١٠٠م، سيُدعى السياح عبر إعلانات الأقمار الصناعية لزيارة هذه الجزيرة والتعرّف عن كثب على "كيف كانت المستعمرات في القرون الماضية". تخفي هذه الضحكة المريرة قلقًا واسع الانتشار: عدم القدرة على الهروب من المأزق الحالي. بدلًا من الهجوم على هذه الادعاءات، تجدر دراسة ما جعل تشكُّلها ممكنًا. دعونا نضعها جنبًا إلى جنب مع الحلقة التالية. هذا هو ما قاله بكل تفهُّمٍ لطبيب نفسيّ فرنسي أعرب عن قلقه بشأن آثار الاضطرابات النفسية في مارتينيك، أحد المسؤولين الفرنسيين "هذا ليس مهمًا، الأمر الأساسي هو أنّ الفقر المادي قد تضاءل تضاؤلًا ملحوظًا، لم تعد ترى أطفالًا يعانون من سوء التغذية على قارعة الطريق، المشكلات التي تثيرها الآن تكاد تكون عبر ذات صلة".
هذه الحكايات، التي تبدو مترابطة ترابطًا غير محكم بالواقع، تُحدّد مع ذلك هدف دراستي. كان الأمر يتعلق بتعقّب كل مظهر من مظاهر العمليات المتعددة، والإرباك في المؤشرات التي نسجت في نهاية المطاف لشعب، الذي وقع فيه الكثير من المسؤولين والأفراد المؤهلين، والشبكة من العدم التي تورّط فيها اليوم.
جهد "مفكِّر"مع اندفعاته المتكررة (للتكرار إيقاعه)، ولحظاته المتناقضة، وعيوبه الضرورية، ومطالبه بالتشكُّل (حتى لو كان مخطّطًا)، غالبًا ما كان غامضًا بسبب هدفه الحقيقي؛ لأن محاولة الاقتراب من واقع غالبًا ما يكون مخفيًا عن الأنظار لا يمكن تنظيمها في إطار سلسلة من التوضيحات. نحن نطالب بالحقّ في الغموض. من خلاله يصبح قلقنا عن الوجود الكامل جزءًا من الدراما العالمية للتحوُّل الثقافي: إبداع الشعوب المهمشة التي تواجه اليوم فكرة الشفافية العالمية، المفروضة من الغرب، بمظاهر بالتنوّع السرية والمتعددة. إنّ مثل هذه العملية مذهلة في كل مكان في العالم حيث تحاول جرائم القتل، وأعمال الإبادة الجماعية الفاضحة، وأساليب الإرهاب، سحقَ المقاومة الثمينة لمختلف الشعوب. إنها غير ملحوظة عندما نتعامل مع مجتمعات محكومة بهذا النسيان غير المؤلم.
يجب دراسة خطاب تلك المجتمعات (تلك الخيوط الغامضة المعنى التي يُعبر فيها عن صمتهم) إذا أردنا فهمًا عميقًا للدراما التي تحدث في عملية الكريول على نطاق عالمي. حتى لو أعددنا هذا الصمت وهذا الفراغ بلا معنى في مواجهة الصمت المروّع والنهائي لتلك الشعوب التي تعاني جسديًا وتُثقلها المجاعة والمرض والإرهاب والدمار، التي تستوعبها الدول الثرية بسهولة.
نعم. الهدوء القلق لوجودنا، عبر العديد من القنوات الغامضة المرتبطة بالعالم المضطرب. في سكوننا المنفصل، يتحرر شيء ما من معاناة شخص ما أو ألمه ويأتي إلى الراحة فينا. ملح الموت على رجال مرهقين، يتجولون عبر صحراء ليست حرية بالتأكيد. تدمير شعوب بأكملها. أولئك الذي بيعوا. أُعْمِيَتْ أطفال بعذابهم غير المفهوم. ضحايا التعذيب الذين يرون الموت يتربص في الأفق. رائحة الزيت على جلود مغبرة. طبقات الطين المتزايدة. نحن على الحافة الخارجية ونبقى صامتين.
لكن كل هذه الفوضى تشتعل في عقولنا بصمت. الدوامة المطلخة بالدماء على الكوكب تُذهِلنا دون أن ندرك. نحن نظنّ أنّ عددًا من الناس في العالم، ممن يعانون من حالة الخوف نفسها، قد يعانون من هذه الحالة المشتركة.
يستلزم كل خطاب بهذه الطريقة التوافق. لا يهمّ أنّ مواردنا الخام لم تُستنفد هنا، وأنّ الشركات المتعددة الجنسيات لم تستغلنا بوحشية، وأنّ التلوّث لا يزال طفيفًا، وأن شعبنا لم يُقتل في كل منعطف، وأننا لا نستطيع تخيّل الأساليب المروّعة المستخدمة هنا وهناك لتحقيق الربح والموت. ومع ذلك، نحن جزء من الارتباك الذي يسود العالم. إنّ عدم المنطق المرضي والإلحاح الـمُلح يجعلاننا جزءًا من عملية عالمية. القنبلة الهيدروجينية نفسها للجميع.
يُضفي خطاب الشعوب المختلفة وتيرة وإيقاعًا معيّنين معينًا على النبض القاسي. الكريولية هي، أوّلًا، الوعي المجهول للكريولية. قد يكون غير العقلانية عنيدًا والإلحاح مرضًا. قد أُرينا، على سبيل المثال، ميزة التجمعات الكبيرة؛ وما زلت أؤمن بمستقبل الدول الصغيرة. تتجلى في مثل تلك المجتمعات عملية الكريولية في لحظات غير العقلانية القابلة للتعرّف عليها، تتشكل في محاولات شاملة للتحرّر. يشير تحليل هذا الخطاب إلى ما يبرز تدريجيًّا، في خضم الدمار الهائل الذي لحق بالعالم، بآثار تكاد لا تُروى، ويسمح لنا بالاستمرار. إنّ القضية التي نناقشها هنا لا توفّر لنا السلاح لخوض حرب اقتصادية، أو حرب شاملة، تشمل جميع الشعوب اليوم. لكن كل نهج نقدي تجاه نوع الاتصال القائم بين الشعوب والثقافات يجعلنا نشكّ أنّه في يوم من الأيام ربما سيتوقف البشر، مذهولين من الحكمة الفريدة المتمثلة في الكريولية التي ستصبح جزءًا منهم، وأنه سيدركون حينها بصيرتنا المترددة.

(1) هذا المقال المترجم هو الجزء الأول من مقدمة إدوار غليسون في كتابه النقدي "الخطاب الكاريبي: مقالات مختارة" (Le Discours antillais).
بولينيزيا: هي مجموعة كبيرة لجزر(2) كثيرة في المحيط الهادي.

المرجع:
Glissant, Edouard. Le discours antillais. Paris: Seuil, 1981.

حسام عبدالله المجلي، أستاذ الأدب المقارن المساعد في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الملك سعود، خبرة ١٥ سنة في مجال التدريس والكتابة والتحرير وتقديم الدورات التدريبية. نشر أبحاث في مجلات علمية محكمة باللغتين العربية والإنجليزية. رئيس مركز التدريب اللغوي في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية عام ٢٠٢٣م. حاصل على شهادات احترافية في التدريس الجامعي والجودة. عضو محكم في مجالات علمية عربية ودولية.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page