top of page

العواطف: بين التأصيل والتفكيك

ريناد الحبيشي

أخذتني ذات نهارٍ سنة من النوم فرأيتني في مركبة تُقاد بعجلة، وكان باب الراكب من جهتي لا يوصد لعطلٍ فيه لم أنتبه له إلا حين رأيته يصفق جيئةً وذهابًا، وبالرغم من ذلك إلا أن أحدًا لم يلحظه غيري.. كنت في حالة من الذعر دفعتني للاستنجاد بقائد المركبة أصرخ، ورغم إلحاحي إلا أنه لم ينتبه لي، ولم يجبني إلا في واحدة كان جوابه سؤالًا "ما ينصك؟" فلم أجد سوى أن أضم الباب لجسم المركبة بوثاق من فولاذ أحكمت عقدته.
خلت ذلك الحلم تصويرًا لحياتي الشعورية في بعض أجزائها، فوعيت حينها أنه -وإن كان الوضع يفوق قدرتي- فإن جزءًا من الحل يتوقف بالضرورة علي.
يقدم الفيلسوف الفرنسي المعاصر "ميشيل لكروا" في كتابه "عبادة المشاعر" رؤية فلسفية جديدة للحياة الشعورية؛ ففي الوقت الذي يظن بعضُهم اضمحلالها أمام ازدهار الحياتين الفكرية والصناعية، يعتقد هو ازدهارها؛ بيد أنه يعده ازدهارًا غير محمود، ويقدم في ذلك تمييزًا بين ما أسماهُ مشاعرُ الصدمة ومشاعرُ التأمل، أو كما وصفهما في تعبير آخر بمشاعر تتفجر ومشاعر تسيل. فيبرهن على سطوة مشاعر الصدمة في الوقت الراهنِ بمشاهد عدة، ويؤكد بأنها هي أصل الشر الذي ينخر الحياة المعاصرة ثم يحيل القارئ إلى اقتباس كُتب قبل ما ينيف على قرنين من الزمن باعتباره تصويرًا للحياة المعاصرة: "بدأت أشعر بالخبل لكون هذه الحياةِ الهائجةِ تطمس أولئك الذين يعيشونها، وحل بي دوارٌ شبيهٌ بذلك الذي يحس به شخص عرضت أمام عينيه العديد من الأشياء بطريقة سريعة. قلبي لا يتعلق بأي شيء من كل الأشياء التي تشد انتباهي، ولكن كلها مجتمعة تشوشُ وتعطل أحاسيسي، لدرجة أنني أنسى في بعض اللحظات من أكون.".
حين أتفكر في نفسي، وأقصد النفس على عموم اللفظ مجردة من شخصي، أجدها مبحث فلسفي سحيق؛ إذ لم يشقني أحد بما أشقتني به نفسي، ولم آنس بأُنسيّ كأنسي بنفسي، لم أجد عزاءً يسلي أكثر مما وجدته في نفسي، ولم أضجر وأتبرم لشيءٍ كضجري وتبرمي من نفسي، ولنفسي! والنفس عندي قسمان: فكر وعاطفة، والفكر مقال لا يسعه المقام هنا، وأما العاطفة فهي مقال المقام هذا.
كلُ هذا وغيره استوقفني للنظر في مشاعري. وكما أفصح "شكسبير" على لسان "الملك ريتشارد" بأن العملية الوجدانية التي غالبًا ما ندعوها عرضًا بالعاطفة، يمكن تحليلها إلى أجزاء. وإنما وجوب الوقوف هذا أكثر إذا ما أقررنا بسلطة العاطفة على أفعالنا، والتي ربما ذهبت لأبعد منها فطالت عقولنا؛ وفي صدد الحديث عن الشد والجذب بين العاطفة والعقل، فلست أذهب مع أي الحزبين في قولهم أن العاطفة سلطان العقل أو أن العقل سيدها، وإنما يفترقان فيما بينهما ويلتقيان حينًا آخر بسلطة متبادلة. والأمر ليس فحصًا للعواطف بغرض انتهازها فقط، وإنما لتفادي الثمن الباهظ لعدم الوقوف عليها. فأدقق في عواطف تعترضني، وأخرى تسكنني، وفي فحصها وجدت درجتين: الوعي واللاوعي. أقصد بالوعي هنا العاطفة في شكلها الظاهر، واللاوعي إنما هو جواهرها وعللها التي تخفى علينا، فكما يقال: "الخفيّ منبعُ الجليّ".
حين شرعت بالنظر في عواطفي استطعت أن أكتشف بعضها وأفهم كنهه، إلا أن كثيرًا منها لم أزل أواجهه وأنا جاهلة به فأكابد شيئًا لست أدركه، فتعترضني على سبيل المثال حالات لست أعرف مسمًّى لشعوري حينها، بيد أنني أخاله نوعًا من الحزن ربما، شيئًا يجعل المرء أشبه بقطعة خشبية جوفاءَ ملقاة يعبر الهواء منها وإليها، فلا صدىً ولا حفيف ولا غير الخواء شيء. ثم في حالات أخرى أجدني أعالج حزني الذي يهب فيدب في جوفي فيعصفه، وأخال قلبي جراء حمله جلمودًا يجتذبني فأكاد أردى؛ بيد أنني أصمد لملاقاته وحين المثول أنافح، وربما انتهى الأمر إلى أن جعلته يتماهى معي، فلست أغرّبه أو أقصيه؛ ذلك أن كثيرًا منه أظنه زيادةً في وُسعي وعلاوة في تهذيب نفسي. فانتهيت بهذا إلى وجهين متمايزين لشعورٍ واحد؛ حزن هدام، وآخر هو مقوِّم لنفس المرء. أحاول أن أفحص كل واحد منهما، وأعرف بواعثه وتداعياته، بغرض الاهتداء إلى أحسن أوجه التصرف؛ ولست أعرف لهذا سبيلًا أجدى من رد جميع الأمور إلى أصولها؛ فشرعت لهذا أفحص مشاعري وأفكر بعلتها وجوهرها؛ ما الحزن؟ ما الحب؟ ما الحسد؟ وما هو الحد الفاصل بين الأمل والطمع، وكيف يلتقيان إن كانا كذلك.
في تأصيلٍ فلسفي يصنف الفيلسوف سبينوزا المشاعر باعتبارها إما ضربًا من الفرح أو شكلًا من أشكال الحزن. وهذا ما يفسر على حد قوله حبنا أو كرهنا اللذين يخفى علينا سببهما لأي شيءٍ كان؛ حيث أصّل عاطفة الحب على سبيل المثال بردها إلى عاطفة الفرح: نحن نحب من و ما يثيرُ عندنا الفرح. ثم ذهب فعمم تأصيله هذا على كافة العواطف البشرية، فأرجع الأمل والسخرية مثلًا إلى الفرح، وردَ الحياءَ والرحمة إلى الحزن، وربما بدا هذا عبثًا وضربًا من العبط في بادئ الأمر، إلا أنه يشرحه بقوله أن الأمل إنما هو الفرح الذي ينشأ عن تصور لأمر قادم، كما أن السخرية عنده هي الفرح الذي ينشأ عن تصورنا بوجود بعض الأشياء التي نحتقرها في شيءٍ نكرهه، وأما الرحمة فقد عدها حالة الحزن التي يولدُها ضرر يكابده الآخر، الآخر الذي هو في تصورنا، يشبهنا.
أتبعني تأصيل سبينوزا إلى الإمعان أكثر في فحص العواطف، وقد كانت عاطفة الأمل من أبرزها. وقد جرى على الأمل ما جرى على غيره من تباين في المواقف والآراء الفلسفية، فمنهم من عده شرّا محضًا وآخر عدها الخير الذي يعين المرء على الاحتمال والمضي قدمًا؛ إلا أن الفهم الشائع للأمل كما رأيته بدا كأنه سائل مبهم، فيُخلط غالبًا بينه وبين الجشع، أو التمني، أو حتى ربما أسيء فهمه فخُيّل أمرًا يكفي المرء جِده ويحيله إلى التراخي. يحضرني في سياق الفصل بين الأمل والجشع شبح ماكبث، وهو جوّاب آفاق لا يفتر يلوح في مدى المخيلة بين الفينة والأخرى باعثًا معه تعليق المحاضِرة في إحدى محاضرات الرواية والمسرحية البريطانيتين بأن طموحه أودى به.
الأمل بطبيعته عقلاني ومشروط بالأخلاق. بمعنى أن الأمل ليس مجرد موقف يحوي مكونات معرفية، وإنما يلزم أن يستجيب لحقيقة إمكانية واحتمالية الحدث المرجو، علاوة على القول بأنه لا يعني أن نأمل جميع النتائج التي نعتقد أنها ممكنة والتي نرغب فيها. ومن شواهد هذا ما قاله شكسبير على لسان ماكبث بعد أن أنزل الرغبات منزلة فاقت منزلة القيم الجديرة: "ما الحياة إلا ظل يمشي، ممثل مسكين يتبختر ويستشيط ساعته على المسرح ثم لا يسمعه أحد."
وفي هذا السياق يطرح الفيلسوف كانط في كتابه "نقد العقل الخالص" سؤال "ما الذي بوسعي أن أأمله؟" بصفته أحد الأسئلة الأساسية للفلسفة، بعد "ما الذي بوسعي أن أعرفه؟" و "ما الذي يلزمني فعله؟".
بالعودة إلى تأصيل سبينوزا، نجده يمضي في تأصيله هذا على كافة العواطف البشرية عدا الحسد، إذ إنه يبالغ في تأصيله فيجعله هو الحزن بذاته من جهة أنه شعور من شأنه إعاقة الفرد عن العمل.
حين تأملت في عاطفة الحسد وجدتها عاطفة لا عقلانية في موضعها؛ إذ إنها شكل من أشكال الاستياء في غير محله، كما أنها لا عقلانية بالنظر لأثرها وفاعليتها، حيث لا يعدوان -في الغالب- عن حدود الحاسد النفسية ومساعيه في إنشائهما قيودًا تكبله عن السعي والكد؛ إذ يشكلان غمامة يتغيّر بها وجهُ حياته فيظن واهمًا أن دروب الآخر مذللة ممهدة وطريقه معتاص وعر -الأمر الذي بدوره يحيلنا إلى ما قاله الفيلسوف "هيوم" بأنه عندما تكون المشاعر لا منطقية فإنها غالبًا ما تكون مصحوبة بالأحكام الخاطئة.- وليس لهذا محصلة إلا همًا وكمدًا يشغلان نفسه وليسا يعينانه على بلوغ مرامه.
وقد صاغ "أحمد أمين" الفكرة ذاتها في معادلة أخرى عندما قال في كتابه "فيض الخاطر" أن "طاقة الإنسان محدودة، فما يصرف منها في الكلام والنقاش أو في الغل والحسد والبغضاء، إنما يسقط من حساب العمل الذي يستطيع إنجازه..".
حين النظر إلى هذه العاطفة بعين التطبيع نجد ما جاء في كتب التراث الإسلامي أنه "ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه"، فالمرء غير ملام على شعوره بالحسد، بيد أنه مسؤول عن تهذيبه، فيتحرز إذا ما زلق ببصره أو فرح بسيئة غيره؛ فالنفس إن تُترك طغت، وإن تُروض تحتشم. وهذا ما جاء به الإسلام، مُعممًا على كافة العواطف البشرية.

ريناد الحبيشي. حاصلة على ماجستير تقنيات الترجمة. مهتمة بالأدب، والترجمة، والفلسفة.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page