top of page

تماثيلُ تستعيرُ أنفاسَنا

فهد أبو حميد


على مدى أزمنة متباعدة قرأت قصائد لشعراء من مختلف الأقطار والأعمار يسكن ذكر المتنبي أشعار بعضهم ويسكن المتنبي وجدان فئة منهم فَشَخَصَ أمامي سؤال خلاصته:
ما السر الحقيقي الذي يستدعي حضور المتنبي في هذا الكم الهائل من القصائد لدى هذا الجمع من الشعراء؟
و لأنني أعلم علم يقين أنه لا يحق لي الحديث نيابة عن غيري فلقد أعدتُ طرح السؤال مرة أخرى ولكن من زاوية حادة وشخصية حيث إنني عندما أصدرتُ كتابي الأول أدرجتُ ضمن نصوصه قصيدتين تتعرضان إلى نفحات من سيرة أبي الطيب لذلك صار السؤال ماثلاً على النحو التالي: ما الحالة الشعورية التي تلاعبت بي و أنا أضم في كتابي الأول محدود الصفحات قصيدتين كلتيهما مقتبسة من طور من أطوار أبي الطيب؟

وَرَدَ على خاطري أكثر من تفسير لهذا الأمر والملحوظ أنَّ هذه السمة قد تبدو للوهلة الأولى و كأنها حالة من الإعجاب والحب الذي يدفع شاعراً في زماننا هذا إلى رثاء أبي الطيب أو الثناء على سجاياه وإطرائه ونفي عيوبه وهجاء حساده وقاتليه إلا أن مسعى الهواجس الطويل أفضى بي في نهايته إلى سؤال آخر أشَدَّ انسجاماً مع الخيال ألا و هو: لو أنني عاصرتُ المتنبي فَسَمِعتُهُ ذات يوم يهجو قومي بإحدى قصائده الذائعة أفلا يكون ذلك مُسَوّغاً كافياً بمقاييس ذلك الزمان فأشارك القوم غارتهم على أبي الطيب في رحلته الأخيرة لتنهل السيوف من دمه؟

الحقيقة أنني كلما تفكَّرتُ في هذا السؤال أشعر بما يكدِّر صفو الخاطر حيران أقف على مفترق طرق و لا أرى أمامي قنطرة أعبرها إلى ضفاف فكرة كَمَحَجَّة بيضاء إذ تلتبس في ذهني عندها الأبعاد الشخصية بالأبعاد الفنية المحضة فالمتنبي من حيث المبدأ ليس شخصية مقدّسة و لكننا حين نستحضره في قصائدنا ننحاز إليه كما ينحاز المشاهدون إلى بطل القصة السينمائية مهما كانت الذنوب التي اقترفها ذلك البطل فهل يعني ذلك أننا نحب المتنبي حبا حقيقيا أم أننا نستلهم وجه المتنبي في قصائدنا لنتخذه قناعا تنكريا بحيث يستسيغ من يقرأ قصائدنا انزياح الأفكار عبر الأزمان الغابرة و إعادة توظيفها على الوجه الذي يُعلّل الأرواح المتعبة أم أنَّ الغرور يذهب ببعضنا كُلَّ مذهب حتى يُخَيَّلَ إليه حَقّاً أنه متنبي هذا الزمان؟

ها هنا يحسن بي أن أقول بصراحة متناهية إنني لوكنتُ من حيث البعد التاريخي في مكان قاتل المتنبي لأخذتني نفس الحميّة التي أخَذَتْ ذلك الرجل الذي تربص بشاعرنا حتى فتك به دون أن يلتفتَ إلى القصائد والإبداع وما شابه ذلك من أمور رمزية لا تعني شيئا في موازين شخص غاضب قد غارت الجروح في أعماقه بسبب قصيدة لاذعة ذائعة قيلت في حقه أو في حق شخص من أهله .

وحتى نشعر بشعور ذلك الرجل الفاتك علينا أن نعقد موازنة من نوع ما بين سلوك المتنبي في كفة على أن تحمل الكفة الأخرى ما نعاصره في زماننا هذا من أفعال ومسالك ينتهجها أشخاص رانَ على قلوبهم ما اكتسبوه من شهرة ومكانة اجتماعية نالوها في مجال من مجالات الإبداع فكانت سبباً صريحاً في احتشاد الذات والغرور والوقاحة والاستهانة بمشاعر العامة على وجه يكتب في الآفاق سؤالاً راعفاً خلاصته: هل يحق لشخص ما أن يهين الآخرين و يجرح كرامة أحدهم مفتتناً بذريعة أنه شاعر عظيم أو مبدع ذائع الصيت و على الآخرين أن يقبلوا إسفافه؟

هكذا يتضح أننا نبالغ في انحيازنا لبعض الشخصيات التاريخية و لا سيما في الميدان الأدبي لأننا لم نعاصرها ونحن منحازون لمن نعرف دون أن نلتفتَ للأشخاص المعاصرين لتلك الشخصية التي نلمِّعُها غير آبهين بتجاوزاتها التي قد تمس كرامة بعض المعاصرين لها مِساساً غير مُستحبّ بل إننا على استعداد مسبق لكيل التهم الباردة لتلك الشخصيات الهامشية ووصفها بالحقد والجهل والاستبداد فنحن على سبيل المثال لا نرى في كافور الإخشيدي إلا عبداً خسيساً لأن المتنبي تطاول على ذلك الرجل ولكننا لا نستنكر على المتنبي وضاعته الشخصية وعنصريته وصفاقته التي نجد مثيلا لها في كل زمان و مكان ومع ذلك نتغاضى عنها لأن الحمقى لا يرون ذنوب تماثيلهم المقدّسة بدليل أنَّ من يسخرون بكافور الإخشيدي هم أنفسهم من يتعاطفون مع عنترة الذي كابد الأمرّين من قومه بسبب لون بشرته و دمه غير الخالص فما الفرق بين عنترة وكافور الإخشيدي؟

هكذا أحاول بذل المستطاع في سبيل فض الاشتباك بين البعدين الشخصي والفني في التعامل مع شخصية المتنبي قبل توظيفها في صياغة النص الشعري المكتوب بعد مصرع المتنبي بما يجاوز ألف عام وهي مدة طويلة بما يكفي لتجيير الشخصية التاريخية الأدبية من بعدها الآدمي التقليدي إلى البعد الرمزي الذي يخامر الذهن فيكاد يلامس غلالة شفيفة تحرّض الخيال على مباشرة الأساطير وربما اختلاقها إن أمكن.

ما أود التأكيد عليه أنني حين أتناول سيرة المتنبي فإنما أتخذه مضرباً للمَثَل أما المقصود فينطبق على أي شخصية يمكن أن نعالج سيرتها معالجة ذهنية منطقية و أما الهدف الأسمى الذي أرغب الوصول إليه فسيتبين للقارئ في نهاية هذا المقال الذي لم أكتبه إلا محاولة لتغيير واقع ثقافي أزعم أنه يستحق التغيير.

قد لا أبالغ إذا قلتُ إن كثيراً من الانحرافات في تشكيل الرصيد الثقافي لإنسان ما يرجع في أصوله إلى أسلوب ذلك الإنسان في استقبال المعلومات المتداولة حول عصر غابر أو شخصية عاشت في ذلك العصر إذ يقع الإنسان أسيراً لمعلومة تفتقد للدقة في أصل نشأتها ثم تتعرض هذه المعلومة بمرور القرون لقسط وافر من التحوير والتزوير حتى تصل في زماننا هذا إلى شخص يقرأ بشراهة دون حذر وقد شابتها شوائب الخرافة التي قد نجد أثرها أحيانا في واقعنا الثقافي والاجتماعي وقد يتدفق فيضانها إلى جوانب أكثر حساسية من جوانب حياتنا المعاصرة.

كما أسلفتُ فإنَّ حديثي عن المتنبي كان مثالاً أمَّا المخبوء بين السطور فهو أنّ من عاصروا المتنبي عاملوه بمقتضى الواقع لأن الرَّجُل يعيش بينهم فأحبه بعضهم وأبغضه آخرون و ليس بالضرورة أن كل من أبغضوه كانوا ينقمون عليه شاعريته كما أننا لا نستطيع الجزم بأن كارهي المتنبي المعاصرين له كانوا مصابين بأمراض عقلية اسوَدَّت بها أرواحهم حتى عميت عن موهبة المتنبي ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها أن المتنبي العبقري شعراً كان آدمياً ينتابه ما ينتاب البشر من أطوار قد تشعل العداوة من حوله وعليك عزيزي القارئ أن تنظر إلى المبدع من هذه الزاوية حيث تعزل شخصه عن إبداعه و تنظر إليه من حيث هو آدمي قد يظلم غيره تارة ويظلمه غيره تارة أخرى و قد لا تسرُّك نتائج هذا التنازع الحيوي غير أن هذه هي الحياة .

لنترك المتنبي و شأنه و لنتحدث عن المبدع الذي تتكرر نسخته في عصور متعاقبة ذلك المبدع المحاط بالمريدين الذين يقاسمونه ظنونه الباطلة فتراه و إياهم يذرعون الأرض افتتاناً و تيهاً معتقدين أن الإبداع يضفي على المبدع نفحة ملائكية تنزِّهُه عن العيب و توجب على الآخرين أن يختلقوا الأعذار ليغلِّفوا بها أوزاره حتى تعشى الأبصار عن مساوئه .
هكذا بكل صفاقة يحق للمبدع من وجهة نظر بعض المهووسين أن يتجاوز حدود الأدب والإنسانية الحقيقية ليجرح هذا و يتطاول على ذاك و يطعن في عرض آخر وهم إن لم يقولوا ذلك في صريح اللفظ إلا أن دفاعهم المستميت عن مبدعهم في كل حالاته يشي بمثل هذه المعتقدات الباطلة (ولتعرفنّهم في لحن القول).

إن من يقرأ كتب السير الذاتية سيلحظ لدى بعض المبدعين قَدراً مكشوفاً من النرجسية التي تحمل أحدهم أحياناً إلى اتخاذ مواقف مجحفة في حق من يعاصرونهم من الشخصيات التي كان المكتوب لها في اللوح المحفوظ أن تصبر على أذى أمثلةٍ لا حصر لها من أولئك المبدعين بل أقول كان نصيب هذه الشخصيات التي توصم بأنها (هامشية) أن تصادف فئات من هؤلاء المبدعين في بعض لفتات الزمان فتجشَّمَت هذه الشخصيات الهامشية جَرَّاء هذه المصادفات عناء المواقف الحرجة واحتملت صنوفاً من رداءة الطباع ورأت رأي العين شيئا من ألوان الأمراض النفسية و الغرور و بعد كل هذه المواجع يأتي معجب سقيم ليمدح شاعراً أبدع في السباب والتطاول على الأعراض و يثني على كاتب قَلَبَ ظهر المجن لأهله وقومه دون سبب منصف و قس على ذلك فئات من المبدعين الذين ظنوا أن الإبداع يعطيهم الحق في جرح الأفراد والاستخفاف بطمأنينة المجتمعات و الحيف الذي ينال من قيمة الإنسانية .

إن من يلاحظ سلوك أولئك المبدعين والمعجبين بهم يشعر أنهم يصنفون الناس كتصنيف الشخصيات في فيلم سينمائي فالبطل لا بد أن يحيط به شخصيات تتولى الأدوار المساندة ثم لا بد بعد ذلك من مجموعات تتحرك في المشاهد جيئة و ذهاباً حتى يضربها البطل تارة
و يتصنَّع البر بها تارة أخرى فلا لزوم لتلك المجموعات سوى استكمال المشاهد فهل هذه هي الحياة حقا؟ وهل هذه هي الإنسانية التي كان من الأحرى بالإبداع و الفنون أن تعالج مآسيها وأن تسعى لترسيخ قيمها المثلى؟
يحسن بي و أنا أحاول أن أختم هذا المقال أن أعود إلى سيرة إمام الشعراء لأقول إن من قتل المتنبي سينال جزاءه أمام الله جَرَّاء جريمة القتل التي حرَّمها الخالق جَلَّ جلاله لأن العبرة عند الله هي في حرمة الدم و ليست في شخصية القتيل كما يحاول إيهامنا الهواة من ضاربي دفوف التقديس أما المتنبي فلم يكن في يوم من الأيام شخصاً مُنزَّهاً عن العيوب التي نجدها عند سائر البشر وهلاكه كان نتيجة حتمية لزلاَّتِ لسانه) ناهيك عن الغطرسة والاستخفاف بقهر الرِّجال.
وعلى غير المتنبي من المبدعين أن يتذكروا دائماً أن الإبداع لا يقي صاحبه جناية هفواته فثمرات إبداعك أيها المبدع لك أنت أما الناس فليس لهم سوى ثمرات إنسانيتك واحترامك لإنسانيتهم.


فهد بن محمد أبو حميد, سعودي الجنسية من مواليد مدينة الرياض. خريج كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1419 هـ. يقدم مشاركاته الأدبية المتنوعة عبر وسائل الإعلام المختلفة
منذ ما يزيد على عشرين عاماً.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page