المحنة
محمد ضياء الدين فتح الرحمن
هو:
زاهِدٌ في الكلام
لا يَتَكلّم..
إلّا بِمِقدارِ أنملةٍ في مَدار
أو بإيماءةٍ في حِوار
والحالُ أتلفت النُّطقَ والحيلةَ..
مالتْ على الجَسدِ الناقصِ قَبرا
أَلجَمَته بالفجيعةِ والدُوار
سَاوَمته بِمَذَّلة
وَكَوَته..
وَسَمَته بخنوعٍ ذابَ في الميسمِ حبرا
جرَّعته وَيْلَها
فَذَوي شِبراً فشبرا
غَرستْ مِديتها الثلماءَ في عِزّته
هواناً قتلته
علّقته شاهداً لِزمانهِ ودِمائه
وعلى جبينِ الصّمتِ مسماراً وعارا
***
هي:
لَملمتْ بأسها في زمانٍ جريح
ما تناثرَ منه
ما تَبقّي لحين
حَزَمَته في صُرّةٍ أنهكتها الحالُ إحراقاً وتيه
صُرّةٌ شَيْطُها من دخانِ القبور
تيهُها من هَشيمِ الشّرود..
تُصْليه نارٌ وتذروه ريح
حَزَمَته في صُرّةٍ..
ثُمّ ألقت بها هاجساً في فراغِ اليقين
ذَرَفَتْ قلبَها كُلَّه
سَحَّ دمعاً
ذابَ شمعاً
شَعَّ في الشاهدِ نور
***
والمحنةُ المَيلاءُ هدَّت من جدارِ الروح قبل الوجه
كالتْ كَيْلها
والحالُ مالتْ مَيلَها..
رعناء أَفرغت النفوسَ من الوقار
المِحنةُ الحربُ
المحنةُ الإنسانُ في طغيانه
في غَيِّه
في مَيله الدموي..
في لَعنته
المحنةُ الإنسانُ في خُذلانه وهوانه
***
ظنَّ الطّغاةُ العابرون بقاءَهم دَهْرا
وظنّوا غيَّهم نَصرا..
ويُسراهم يمينًا
كلّا.. تَقاصرَ ليلُهم
ترتدُّ لَوثتُهم عليهم لَعنةً وهزيمةً
بَلْ محنةً أخرى..
فالغيمةُ الحُبلى من اللّعنةِ لا تُمطرُ يُسرا
تَهْمي تسوقُ عذابَها
بؤساً وإذلالاً وعُسرا
***
زاهدٌ في الكلام
مُثقلٌ بالنشيج
وعَلا الجسدُ المثقوبُ والنُّورُ إزار
***
فوقَ تِلكَ الغَيمةِ
في سماءِ الذّاكرة..
بَرَقَ الشّاهدُ فالقلبُ أنار