top of page

كل الأصوات

سعد حجر


رواية
دار مضامين للنشر والتوزيع عام 2025
الطبعة الأولى
87 صفحة


تلك هي دقيقتي التي لا يُنازعني فيها أحدٌ.
حين أعبر خشبة المسرح من منتصفها، يُرافقني نشاز أصوات الآلات الموسيقيّة، في الوقت الذي تُحاول فيه الجوقة ضبطها استعدادًا للعزف.كنت أطلب عمدًا من بعض هؤلاء الموسيقيّين أن يفعلوا ذلك، حتى تطغى تلك الأصوات المتفرّقة على قرع حذائي في عمق الصمت المهول الّذي يكتنف القاعة الضخمة.
في تلك الدقيقة التي تسبق الحفل الموسيقي، يُهيّئ كلُّ من في القاعة أذنَيْهِ مرهِفًا السّمع إلى الرصعة الأولى من البيانو العملاق المتربّع على خشبة المسرح، ذلك الذي افتتحته الدولة قبل بضعة أشهرٍ من قبولي لهذه الوظيفة، وذلك في سياقٍ جديدٍ لتوجّهاتها الرّسميّة عندما فتحت بابًا ظلَّ مقفلًا دهورًا حتى أظلمت عتبته، فكان الشعور حينها، عندما فتح عنوةً وبقوّةٍ، ممزوجًا بالفرح والخوف.
كان حظّي من الحفل ذلك الزّمنَ الذي يحبس الأنفاس، والذي تُلوى فيه أعناق الجميع لمشاهدتي، فتنساب نظراتهم سيّالةً على ظهري وأردافي كلعابٍ يندلق شهوةً من أفواههم، ولكنّي لا ألتفت إلى رعشة الأرداف، ولا تهمنّي تخيلاتهم، على رغم ما فعلته مع بعضهم، وتحديدًا مع بعض المدعوين الذين يجلسون دائمًا في الصفّ الأول، أو أولئك الذي عادة ما تكون طاولاتهم منتصبةً فوق رأسي في زاويا المسرح العلوية.
لم تكن نظراتهم المتفرّسة لجسدي سوى رافدٍ للذّة التي لن أهبَها لأحدٍ، ولن أترك أحدًا يعبث بالبذل الكبير الذي دفعته بلا تردّد لأنال هذه الوظيفة، فأمرّ بين آلات الموسيقى، وأعناقهم المشرئّبة تمثل أمامي كشواهد قبورٍ. تلك الدقيقة أصبحت، مع الأيام، طقسًا يتضمّن إذنًا ببداية الحفل، فما أن يراني الحضور أبدأ الخطو شاقّةً منتصف الخشبة، حتى تقرع قلوبهم مع قرع حذائي، عندئذٍ أفهم أنّ هذه الدقيقة ملكي، أنّها دقيقتي، وأنَّ ذلك الزّمن الضئيل أُمسك فيه بزمام الكون.

(1)
كانت مجرّد رسالةٍ جاءت في الوقت المناسب تمامًا.
في البدء، عندما أرسلت الدار إليّ برسالةٍ هاتفيّةٍ مفادها أنّ لديَّ موعدًا لإجراء مقابلةٍ شخصيةٍ، حزمت أموري في رأسي قبل حقائبي، وفرزت أفكاري؛ فالأفكار أمتعةٌ عليك أن تحمل منها ما هو ملائمٌ لوجهتك التي تنوي الهجرة إليها، وتستغني عن بعضها.
تخفّفت ممّا أحمل، كانت جلّ قراراتي مصيريّة؛ فمثلًا كان عليّ كتم ماهيّة ما أنا مقبلةٌ عليه قدر المستطاع، أحسستُ أنّني مقدمةً على جريمةٍ ما؛ فأن تحزم فتاةٌ بمجتمعنا حقائبها ، وتخرج إلى المجهول، حتمًا أنَّ هناك شيئًا غامضًا يحدث.
كانت رسالة الدار أشبه بسيّارة أجرةٍ انتظرتها طويلًا على قارعة الطريق، لأنَّ كلَّ بيتٍ يُؤوي فتاةً ليس إلّا قارعة طريقٍ لها؛ إذ بمجرّد أن تستدير أردافها، وتبلغ سنّ الرشد، فإنّ كلّ من في البيت يحثّها على المغادرة:"تزوّجي، اخرجي، تبعّلي، حظّك تعيسٌ لا يرغب فيك أحدٌ".ولكنَّه، ذات يومٍ، أتى،فنفض حوضي وأهرق ماءه مرّةً واحدةً، ثمّ مضى وترك لي هذا الطفل الذي لا أصدّق أنّه قد مرّ على ولادته أربع سنواتٍ.
حينما كفّ عن الصراخ، ووضعَتْ حربي مع أبويّ أوزارها، زارني ليلةً أخرى ولكني تمنّعتُ، فانطلق إلى الحدود الجنوبية يشكو وجعَهُ المترف، وهو الذي استمرأ السفر في الطرقات الطويلة، فلم يكن لديه بيتٌ لا في القرية، ولا هناك حيث لم يجد من الحرب التي كان يدّعي الرباط فيها سوى خديعتها وهُدَنها الكاذبة، ثمّ بعد أشهرٍ خلعْتُهُ خلعًا لم يُكلّفني، بفضل العهد الجديد، سوى أن أبعث برسالة إلى وزارة العدل، وجلسةٍ قضائيّةٍ واحدةٍ أيضًا حضرتُها من بُعْدٍ.
لم تكن فكرة الخلع محبّبةً لدى أبويّ، ففكّرا كثيرًا في الأمر ولكنّي رفعتُ القضيّة إلى القضاء من تلقاء نفسي، لأنّ ذلك الزائر الليلي لم يترك لي بصيص أملٍ بأنّه زوجٌ صالح لابنتهما، فما كان إلّا أن وصلته الرسالة التي تتطلّب التّحقّق من وجوده لإنهاء العقد الذي بيني وبينه، وهو يشتعل حنقًا وتقضمه غضباته السخيفة.
كان ذلك متاعًا رخيصًا استغنيتُ عنه منذ زمنٍ، وقذفته في ركنٍ بعيدٍ من حجرتي، حتى يكون عرضة للنسيان قدر المستطاع، لأني أومن- بلا سعيٍ منّي- أنّ الأشياء التي نركلها في زوايا الذاكرة المظلمة يلتهمها النسيان أَطال الزمن أم قصر، وبينما لم أنسَ دقيقةً واحدةً جمعتني به، فإنّي لمحت في ردهةٍ من ردهات الذاكرة بعض تلك الدقائق المرتبطة به آخذةً في التآكل.
أنا الآن بهمّةٍ مثيرةٍ للخروج والتحوّل.وقد رأى صديقي، عندما أخبرته أني سأخرج من هذه الديار،أنّي أتحوّل؛ فالأمر ليس تغيّرًا فحسب، ثمّ أهدى لي كتابه الذي يعينه-حسبما يقول- على تغيير حياته، رواية كافكا«المسخ»:
- خذي هذا الكتاب، فسيُهوّن عليك مراحل التغيّر المرعبة.
كان يُغيّر من نغمة صوته كلّما تحدّث عن الكتب والأدب، كأنّما يشعر بواجب ما يُمليه الحديث عنها، بأن يقف احترامًا لما يقول بتفخيم صوته.
افترضت أن ما ينتظرني في الدار عملٌ غير عاديٍّ، وانشغالٌ لا يترك لي ترف الوقت، فكان عليّ أن أبدو متّزنةً، ومتّسقةً مع هذا الحدث المصيري في حياتي. كنّا، في قريتي الباردة والهادئة التي لم ينفكّ قاطنوها ينزحون إلى المدن الكبرى، نسمع بأمورٍ تحدث.
كانت المدينة أشبه باستدعاءٍ لكلٍ من في الريف والأطراف، استدعاءٍ ضروريٍّ للحياة، وإلّا فستتعفن في جذرك الذي تنوي التمسّك به، في قعرك المظلم الذي تأمل أن تقبع به طوال حياتك. ووسط هول كل ذلك، تركتُ ابني مؤقتًا، ريثما تستتبّ الأمور لدى والديَّ، والخادمة معهما أيضًا، فلابدّ لطفل امرأةٍ مطلّقةٍ من أن يعشق جدّه وجدّته كما يعشق أمّه.
كانت المدن الكبرى مع سياسات الحكم الجديد تغيّر جلدها، وتخلع أسمالها القديمة، وأنا أيضًا كان عليَّ خلعُ أسمالٍ كثيرةٍ باليةٍ. أمّا الريف، فلم يكن له سوى رداءٍ واحدٍ، لا يحقّ له خلعه أو تبديله، غير أنّه أثقل روحي قبل خطوتي. لذا، كانت خطوتي المؤاتية واجبًا القفز إليها. سأستعين على ذلك بقدرات كافكا على تحوّله إلى حشرةٍ.
أخبرتُ والدَيَّ بقرار الوظيفة، ثمّ تركتُ لهما الوقت ليفكّرا به، بلا محاولاتٍ منّي لاستدرار شفقتهما، لكيلا أكون في موقف ضعفٍ، أو أحتاج إلى عطفٍ مؤقّتٍ، سرعان ما يؤدّي في نهاية مفعوله إلى صمتٍ متبادَلٍ، يُعبّر عن عدم الرغبة في وجود أحدنا.
كنت أقايضهما بهدوءٍ على بقائي مدى الحياة، أو على انتظار سيارة أجرة أخرى قد لا تأتي أبدًا، وكان موقفي حازمًا، وقد نجحت فيه حتى صرت أرى سماء الرياض في الليل مشتعلةً بدعواتٍ ضمنيّةٍ تحاصرني وتدعوني إلى الولوغ في الخطيئة.


سعد حجر روائي من مواليد مدينة الظهران لعام 1982. صدر له في عام 2022 " ارتيابك في غير محلّه " رواية عن دار ميلاد للنشر والترجمة و " كل الأصوات " رواية في عام 2025 عن دار مضامين للنشر والتوزيع. يمكنكم متابعة حسابه على منصة اكس @S09hajar

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page