top of page

بين الطين والنفط جماليات صراع الهوية في رواية حوض ريان

كريم سليم


من رحم الأرض تولد الحياة والخير والجمال والإستقرار وإليها يعود الإنسان في نهاية المطاف لتحتضنه كأمه الحنون فمن طينها المبتدأ وإليها المنتهى وهي بين نقطة البداية والنهاية التي تشكل هويتنا فنصنع الأحداث والأقدار فوق سطحها.

وفي صراع الطين والنفط صاغ لنا الروائي إبراهيم المطولي عملا أدبيا نجح في إعادة تقديم أدب القرية المصرية برؤية معاصرة، حيث تنطلق رواية "حوض ريان" من نقطة ظاهرية تبدو للمتلقي نزاعًا على قطعة أرض، لكنها سرعان ما تتحول إلى مواجهة رمزية بين الطين والنفط؛ بين هويةٍ تشكلت عبر آلاف السنين من الارتباط بالأرض، ومنطقٍ حديث لا يرى فيها سوى مورد اقتصادي قابل للاستغلال. ومن هنا يستمد هذا العمل فرادته، إذ يجعل من الأرض بطلًا حقيقيًا للرواية، لا مجرد مسرح للأحداث.

تدور أحداث الرواية في قرية مصرية هادئة تكاد تكون شبه منعزلة عن العالم الخارجي بتسارع أحداثه وصراعاته الصاخبة وتضبط حياتها وفق مواقيت الزراعة والري، قبل أن تتعرض لاضطراب مفاجئ بسبب وصول الغرباء الذين يحملون خرائطهم ومعداتهم الثقيلة بزعم البحث عن البترول. ومن هنا يبدأ الصراع الحقيقي المحتدم بين الفلاح والأرض، وبين الإنسان والسلطة، وبين الزمن الزراعي البطيء والزمن بكافة مصطلحاته الكلاسيكية الحالمة وبين العصر الحديث السريع الذي يهدد الجذور القديمة.

تتمركز رواية حوض ريان حول فكرة أصيلة تتمثل في أن الأرض ليست مجرد ملكية مادية، بل هي هوية وامتداد وجودي للفلاح المصري الذي عاش منذ الآلاف السنين على جنبات وادي النيل لذلك تتحول محاولة الاستيلاء عليها إلى تهديد نفسي ووجودي، لا إلى نزاع إداري فحسب يحدث بين سكان حوض ريان وبين السلطة.


حول تلك الفكرة الأساسية نجح المطولي في تحويل حادثة واقعية بسيطة إلى بناء رمزي واسع؛ فالغرباء الذين يهبطون إلى القرية يمثلون قوى الحداثة العنيفة التي تقتحم العالم الريفي دون مراعاة لخصوصيته الإنسانية والتاريخية لتفرض عليه واقع قاسي ومؤلم.

وفي سبيل تحقيق الروائي لهدفه على مستوى البناء الروائي خاصةً فيما يرتبط بالسرد الأدبي فقد استخدم المطولي أسلوب أقرب لمنهج يمكن تسميته بـ"الواقعية الجديدة"، وهي واقعية لا تكتفي فقط بوصف البيئة الخاصة بقرية حوض ريان، بل تغوص في البنية النفسية والاجتماعية للشخصيات بهدف تفكيكها وطرحها من خلال الرواية.

لم يعتمد المطولي على السرد التقليدي الكلاسيكي المعتاد خلال أحداث الرواية بقدر ما اعتمد على حالة من الإيحاء وبناء التوتر النفسي الداخلي وتوظيف الصمت والانتظار والخوف الذي ينتهجه الفلاحين في حوض ريان فيما يخص علاقتهم بالغرباء وخوفهم الشديد من الإقتراب من هؤلاء الغرباء وذلك الغموض الذي أحاط بمهمتهم لعدة فصول قبل أن يكتشف أهالي القرية تلك المهمة التي جاء بها الغرباء والتي ستوقع بهم كارثة إنسانية لا محالة ستدمر هوية حوض ريان الي الأبد حيث تمكن المطولي من تصوير التحولات الاجتماعية التي تعرضت لها القرية نتيجة وصول الغرباء أو التغيرات الاجتماعية والسياسية التي حدثت على مدى عقود ممتدة بوصفها مأساة إنسانية.

من أبرز سمات الرواية لغتها ذات الطابع المكثف والمقتضب، خاصة في وصف الأرض والحقول والزمن الريفي فالكاتب لا يستخدم لغة زخرفية، وإنما لغة مشحونة بالدلالات الحسية والرمزية.
فهو على سبيل المثال، يحول الأرض إلى كائن حي تمنح الأمان وتحتضن أصحابها ثم تتحول بمرور الوقت إلى عبء يهدد حياتهم وهذه الازدواجية تمنح النص عمقًا إنسانيًا كبيرًا ناهيكم على تمكن المطولي من سرد أبسط تفاصيل حياة القرية المصرية والفلاح المصري والأرض والحيوانات والطيور.

يتمتع أسلوب المطولي بحالة من الاقتصاد السردي فهو لا يميل إلى الإسهاب، بل يعتمد على التكثيف وبناء المشهد القصير المشحون بالدلالة. لذلك تبدو الرواية متماسكة الإيقاع، خالية من الحشو حتى أنه يبدأ الفصل الأول بصورة مباشرة دون الدخول في تفاصيل تمهيدية بمنطق مشهدي بحت يتمحور حول دخول مجموعة من المهندسين الغرباء إلى حقول مزارعي القرية وهو بذلك يتخلى عن إيراد تقدمة تمهيدية لعمله الأدبي بخلاف الدارج في بعض الروايات والتي تسهب بحالة مملة في سرد تمهيدي قد يعزل القارئ عن دنيا الرواية.

وينكشف ذلك التكثيف السردي لدى المطولي في قصر الجمل وسرعة الانتقال بين المشاهد والاعتماد على الحوار المختزل.إضافة لما سبق يعتمد المطولي على تقنيات قريبة من التصوير السينمائي حيث تتمحور المشاهد حول حركة الشخصيات داخل المكان ووصف الأدوات الزراعية المتناهي وحضور الأصوات والروائح وبناء مشاهد الانتظار والقلق. فتبدو القرية كأنها كاميرا واسعة ترصد التحولات الصغيرة التي تسبق الانفجار الكبير وهو بذلك يرسم لوحة ريفية معبرة للغاية تتداخل فيها الألوان والأصوات حول طبيعة الريف الجميل بمحافظة الفيوم من خلال مقاطع متعددة داخل الرواية التي رسمت مشاهد الحياة الطبيعية واليومية المعاشة بريف قرية حوض ريان. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد مشاهدًا تعبر عن ذلك وعن قاموس اللغة الريفية بالفيوم في المقاطع التالي: "والآن يملأ كوب البُوكلة من مياه الخليجة الجارية نحو البعيد ويسقيها."

ولا يكتفي المطولي باستخدام أسلوب السرد المكثف في فصول الرواية بل تمكن من إضفاء وتوظيف حالة من الحوارية المميزة والبسيطة التي تستخدم العامية بين أبطال حوض ريان وتوظيفها لخدمة الحالة الدرامية في الرواية.

ومن أهم مميزات السرد الروائي لدى المطولي استخدامه للفلكلور الشعبي المصري وحكايات الجدات في العديد من فصول الرواية وتوظيفها بصورة جيدة لخدمة القالب الدرامي مثل المشهد الذي جلست خلاله إحدى الفلاحات لتحكي للصغار كيفية السيطرة على العفاريت إن ظهرت لهم ليلًا، عن طريق غرس واحدة من سُلَّاء النخيل في آذانها ليصير العفريت حمارًا ويحمل كل ما يوضع على ظهره من أحمال. كما يميل المطولي ميله لسرد عادات القرية الفلكلورية كعادة غلي الشاي (دور ثاني) وتقديمه للأطفال عقب تناول الكبار الدور الأول.ويعاود المطولي إستخدام الفلكلور الشعبي مرارا وتكرارا كسرده لحب أطفال القرية طائر أبو قردان وعادتهم في غناء أغنية الفلكلور: " أبو قردان زرع فدان نصه حلبة ونصه لبان."

ومن ملامح التميز السردي لدى المطولي توظيفه المميز لتاريخ الجغرافيا داخل الرواية عندما يصف بدقة موقع حوض ريان داخل محافظة الفيوم فيقول إن حوض الزرع يقع بزمام بني صالح, والبادئ من الطريق الإسفلتي المؤدي إلى المدينة حتى بحر فيديمين الذي يحمل مياه بحر يوسف كما يقوم بتأصيل بعض جغرافيا المحافظة كمنطقة كيمان فارس والحقب التاريخية التي مرت عليها ، ناهيكم عن رصده لأدق عادات الفلاحين في الفيوم خلال فترة السدة الشتوية خلال الفصل الثاني عشر عندما تجف الترع.ويستمر المطولي ليؤكد على تمكنه التام من سرد أدق سمات الجغرافيا في مصر عامة وريف الفيوم خاصة عندما يتحدث عن إطلاق الفلاحين بعض الأسماء على القرى والشوارع المختلفة تماماً لأسمائها الرسمية في دفاتر المؤسسات الحكومية.

كما يستمر إبراهيم المطولي في بناء نص سردي يقوم على توازن واضح بين البعد الاجتماعي والنفسي، مع اعتماد أدوات فنية تمنح الرواية تماسكًا دراميًا وقدرة على التأثير.ومن بين تلك الأدوات مهارة توظيف المنظور الأيديولوجي الخاص بالروائي فهو لا يطرح أفكاره بصورة مباشرة أو خطابية، بل يجعل الأيديولوجيا متخفية داخل مصائر الشخصيات وطريقة رؤيتها للعالم ويتبدى هذا من خلال توظيفه لقصة بناء مدرسة حوض ريان خلال الحقبة الناصرية وما تعرضت له عقب ذلك إبان حكم السادات ثم مبارك فالرواية تناقش قضايا السلطة والهامش والعدالة الاجتماعية من خلال التجربة الإنسانية اليومية، لا عبر الشعارات وهذا ما منح النص حيوية على الرغم مما قد يظهر للقارئ من تحامله على تلك الحقب الثلاث.


وفيما يخص الحبكة الدرامية فقد اعتمدت الرواية على حبكة متماسكة تقوم على ترابط الأسباب والنتائج، حيث تتولد الأحداث من داخل الشخصيات نفسها لا من المصادفات. وقد حافظ الكاتب على خيط سردي واضح، رغم تشعب التفاصيل وتخصيص فصول متعددة لكل شخصية من شخصيات الرواية بشكل منفصل، فبدت كل واقعة مؤدية إلى ما بعدها بشكل منطقي.ومما أسهم في ابتعاد المطولي عن الترهل اقتصاده النسبي في الوصف والحوار، وجعل الحركة الدرامية أكثر كثافة. فالحبكة هنا ليست مجرد تسلسل أحداث، بل بناء نفسي واجتماعي يكشف تدريجيًا هشاشة الواقع الذي تعيشه الشخصيات.
تميّزت الرواية بقدرتها على خلق عقدة مركزية تتصاعد بهدوء قبل أن تتحول إلى بؤرة توتر أساسية. فالكاتب لم يكشف الأزمة دفعة واحدة، وإنما اعتمد على التمهيد التدريجي، وهو ما زاد من فضول القارئ. كما أن العقدة لم تكن خارجية فقط، بل امتدت إلى الداخل النفسي للشخصيات، فصار الصراع مركبًا بين الرغبة والخوف، وبين ما تريده الشخصيات وما يفرضه الواقع عليها. هذه الازدواجية منحت العقدة عمقًا إنسانيًا يتجاوز الإثارة السطحية.

وإضافة لما سبق فقد نجح المطولي في الحفاظ على إيقاع متصاعد دون قفزات حادة أو افتعال درامي، فكل حدث يضيف مستوى جديد من التوتر، ويكشف جانبًا خفيًا من العلاقات أو الدوافع. كما استخدم الكاتب تقنية التأجيل السردي بمهارة، حيث يمنح القارئ قدرًا من المعلومات ثم يؤخر الإجابة الكاملة، ما يحافظ على التشويق. ويُحسب للرواية أن التصاعد لم يكن صاخبًا دائمًا، بل اعتمد أحيانًا على التوتر النفسي الصامت، وهو ما منحها نضجًا فنيًا.


ويعد تبرير بعض الأحداث الغريبة في الرواية من أبرز نقاط القوة فحتى القرارات الصادمة لبعض الشخصيات تبدو نابعة من سياق إنساني مفهوم، وعلى سبيل المثال لا الحصر قدرة المطولي على تبرير واقعة قتل سعيد الديب لعبد الرحمن حومة.. ذلك الدخيل الذي حاول التعدي على أرضه وسرقة دوره في الري.. ففي البداية ربما يلاحظ القارئ عدم واقعية الحدث بقيام الديب بقتل حومة بالفأس واستمراره بعدها في روي الحقل بدم بارد ثم جلوسه إلى جوار جثة القتيل ليحفظها من الهوام والذباب والحشرات وعقب بزوغ الفجر نجد سعيد الديب يذهب ليسلم نفسه للشرطة فيبدو ذلك غير منطقي لنكتشف بعد ذلك اعتياد سعيد الديب على فعل القتل والتعامل مع الجثث نتيجة عمله كمخبر بالشرطة فالمطولي لم يدع مجالاً للتشكيك في مبالغة الأحداث حينما يقول: "هو لا يخاف الموتى والمقتولين، فقد حمل العديد منهم على يديه، ليس فقط ضحايا الحوادث والمعارك في المدينة، بل من قتلهم بنفسه في أثناء الخدمة"، وهو ما عزز واقعية الرواية.

ومن الجماليات المميزة في الإطار السردي لرواية حوض ريان تعدد مستويات الصراع والتي لا تقتصر على مواجهة الفلاحين للغرباء وشركة النفط، بل تمتد إلى وجود صراع داخلي بين الفلاحين أنفسهم وصراع مع مؤسسات الدولة وصراع نفسي بين الخوف والمقاومة وصراع حضاري بين الريف التقليدي والعالم الحديث المتطور.

وفيما يتعلق بالشخصيات في الرواية فتتسم شخصيات الرواية بالواقعية والرمزية في آن واحد حيث يمثل سعيد الديب الفلاح المرتبط بالأرض بوصفها شرفًا ووجودًا. وهو نموذج للإنسان الذي يشعر أن اقتلاع الأرض يعني اقتلاع حياته نفسها وهو الذي يجسد في الوقت ذاته رمزية عين أجهزة الأمن والذي يخشاه الجميع فهو مرهوب الجانب ولا يؤتمن.

بينما يجسد الحاج معوض الحكمة الريفية التقليدية، ويؤدي دور الذاكرة الجماعية للقرية للشخص المحبوب من كافة أفرادها والفلاح المميز صاحب المحصول والدار الأفضل، يجسد محمد البهنساوي خبث ودنس القرية.أما الغرباء القادمون بخوذاتهم الصفراء، فهم شخصيات بلا ملامح واضحة يحوطهم الغموض طوال الوقت، وهو اختيار فني مقصود؛ لأن الكاتب يريدهم رمزًا لقوى مجهولة وعنيفة، لا مجرد أفراد.

وحقيقة القول إن المدقق في تفاصيل بناء الشخصيات في الرواية سيجد أن الروائي يتمتع بإدراك مميز للتركيبة النفسية لبعض المزارعين حينما يرسم أحد شخصيات الرواية قائلا: "أما سعيد الديب، فلا يُركز نظره في غيطه، بل يلقيه إلى أرض جيرانه، يُثقل قلبَه أن يجدَ زرعًا ينمو أسرع من زرعه، أو بهائم أكثر صحة من بهائمه. يميل كلّ حينٍ ويجمع من أرضه قطعًا من الفخار لا تنتهي أبدًا، ولا يعرف من أين تأتِي، يُلقي بها خلسة في أرض غيره."

وهو بذلك يلم بالأبعاد الإنسانية لحياة فصيل من الفلاحين المصريين وعلاقتهم بجيرانهم فالروائي لم يرسم صورة أفلاطونية لعلاقة أبطال الرواية بعضهم البعض.والروائي أيضاً ملم بتركيبة الفلاح المصري النفسية فيما يخص علاقته بالأرض ومدى عشقه لتملكها فيعبر عن ذلك قائلا:
"سعيد الديب يجول في أركان غيطه، اشتراه بعد سنوات من التَّمني، وحرمان نفسه وأولاده من كل ما اعتقد أنه غير ضروري للاستمرار بالحياة، حُلم ظلّ يراوده يوميًّا، ربما منذ أن كان طفلا يتيمًا يعمل في أراضي الغير، ثم وهو شاب في الخدمة العسكرية زمن الحروب ، لذا أدمن سعيد الديب هذا النوع الجديد من اللذة، لذة التملك، قال مرة -لا لأحد بعينه بل لكل من يسمع، بعد تناول عشائه- كلمات كان مفادها: بعدما تدفع مجرد أوراق، وتوقع مجرد أوراق، تأتي وتقف بقدميك فوق براح من الطين، يمكنك فيها أن تجري، أو تتمرغ كحمار يحكّ ظهره! يمكنك أن تقاتل من أجلها ولن يرى أحدٌ ذلك غريبًا."

وللبعد الرمزي في الرواية العديد من الأبعاد فهي تحمل دلالات رمزية على حب الأرض والهوية والاستقرار ممثلة في أبناء القرية وعلى السلطة الحديثة والرأسمالية ممثلة في الغرباء وآلات التنقيب واقتلاع الجذور وأيضاً على النظام الأخلاقي المصري القديم مجسدا عبر العبارة المحفورة على الحجر:"لا تنقل الحدود، ولا تتعدَّ عليها"إذ تتحول الحدود الزراعية إلى رمز للعدالة والاستقرار والتوازن التاريخي للإنسان المصري عبر الزمن.

وإذا تطرقنا للحديث عن المكان والزمان سنجد أن القرية ليست مجرد خلفية للأحداث، بل كيان حي يشارك في تشكيل الوعي والسلوك ويبدو تأثر المطولي العميق ببيئة الفيوم واضحًا في التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالترع، ومواقيت الري، والعلاقات الزراعية، وطبيعة الحقول والحيوانات والأساطير التي تدور حولها كالذئاب وغيرها.

وفيما يخص الزمان فيعد زمن القرية البطيء المرتبط بالطبيعة مغايراً لطبيعة زمن الحداثة السريع المرتبط بالمصالح والاستثمار وهو ما يسبب بؤرة الصراع في الرواية بصفة عامة.

وعلى الرغم من كلاسيكية الفكرة التي تتمركز حولها الرواية والتي سبق مناقشتها في العديد من الروايات التي تناقش انتماء الفلاح المصري إلي أرضه مثل رواية "الأرض" للروائي الكبير عبد الرحمن الشرقاوي إلا أن هناك العديد من الاختلافات بين الروايتين ففي رواية "الأرض" ترتبط الأرض والكرامة والمقاومة وفي حوض ريان ترتبط بالهوية والخوف من الاقتلاع بينما تجتمع كلتا الروايتين على مفهوم الانحياز للفلاح المصري بوصفه الضحية التاريخية للسلطة والتحولات الاقتصادية.

وبينما تفترق الروايتين في رسم شكل الصراع ففي رواية "الأرض" يعد الصراع مباشرًا وواضحا مع السلطة الإقطاعية والحكومة فالرواية ذات نزعة ثورية صريحة بينما يتخذ الصراع مظهرًا أكثر غموضًا وحداثة فالعدو هنا يبدو غير محدد تمامًا ويميل للمنطق الاستثماري بحسب متغيرات العصر فالقرية لدى المطولي هي فضاء للخوف والانتظار والقلق الوجودي من المجهول.

وللرواية من وجهة نظري بعض الملاحظات خاصة فيما يتعلق بمنطق ثنائية الخير والشر حيث تشتعل المواجهة بين أهل القرية والغرباء أصحاب المعدات الثقيلة دون أن تركز تفاصيلها على ذلك الطرف الدخيل أو تمنحه دوافع إنسانية معقدة أو درامية فهو مجرد دخيل يرمز للشر دون الغوص في أبعاد سيكولوجية شخوصه عن عمد.

وبالإضافة لما سبق تعرض الرواية الأزمة في الأساس من منظور الفلاحين، بينما يغيب تقريبًا صوت الطرف الآخر، سواء ممثلي الدولة أو شركة التنقيب، وهو ما يجعل الصراع يبدو أحادي الرؤية، ويحد من مساحة التأويل.


ملاحظة أخرى تبدت لي وتمثلت في اعتماد الكاتب بكثرة على الوصف واستحضار البيئة الريفية بصورة كبيرة ففي العديد من المواضع يبرز اهتمام الكاتب بتسجيل تفاصيل الجغرافيا المحلية والعادات والفلكلور، وهو ما يمنح الرواية قيمة توثيقية، لكنه قد يبطئ السرد ويُشعر القارئ بأن الرواية تميل أحيانًا إلى التسجيل أكثر من البناء الدرامي وربما خصم ذلك من رصيد الغوص في العمق الدرامي للأحداث والشخصيات في القرية التي استحوذ «سعيد الديب» و«الحاج معوض»، على النصيب الأكبر منها على حساب الشخصيات الأخرى التي كانت ثانوية وكان وجودها يؤصل لبعض النماذج التي تعيش في الريف المصري بخيرها وشرها.وتعتمد أيضا الرواية على تصاعد هادئ ومنطقي للأحداث، إلا أنها لا تتضمن الكثير من الانعطافات الدرامية غير المتوقعة، لذلك قد يشعر بعض القراء بأن مسار الأحداث يصبح قابلًا للتوقع في أجزاء معينة.


إن حوض ريان تمثل تجربة روائية مهمة في تجديد أدب القرية المصرية؛ إذ تجمع بين الواقعية الاجتماعية والبعد النفسي والرمزية الحديثة. وقد استطاع إبراهيم المطولي أن يقدم نصًا ينتمي إلى التراث الواقعي المصري، لكنه في الوقت نفسه يعكس قلق الإنسان المعاصر أمام التحولات الاقتصادية العنيفة التي تهدد علاقته بالأرض والهوية فهي تعبّر عن مأساة الريف الحديث في مواجهة قوى أكثر غموضًا وتعقيدًا، وهو ما يجعلها امتدادًا معاصرًا لأدب القرية المصري، لا مجرد تكرار.


كريم سليم شاعر من مصر.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page