top of page

عن المعبد الذهبي ليوكيو ميشيما

مؤثل هشام


"ربما كان من حق الجمال أيضًا أن يطالبني بالتخلي عن هدفي السابق. فمن الواضح أن لمس الأبدية بيد، ولمس الحياة باليد الأخرى من المحال." هكذا أراد يوكيو ميشيما تصوير انفصال بطل رواية "المعبد الذهبي" (كينكاكوجي)، ميزوغوتشي، عن العالم الخارجي؛ إذ أحاط المعبد بجميع تفاصيل حياته. الرواية التي كتبت عام 1956 عقب احتراق المعبد الذهبي عام 1950، تمزج بين الرواية الفلسفية والرواية السيكولوجية. وتُعد من أهم أعمال ميشيما و أكثرها إفصاحًا عن فلسفته عن الجمال، والروح والجسد.

كيميتاكي هيراوكا، أو يوكيو ميشيما كما سيُعرف لاحقًا، كاتب اليابان الأشهر في القرن العشرين، وأحد أكثر الشخصيات الأدبية إثارةً للجدل في العصر الحديث. يصعب استخدام نظرية رولان بارت (Roland Barthes) موت المؤلف عند دراسة أعمال ميشيما، فالإسقاطات من حياته على شخصيات أعماله ليست بالقليلة. خُذ مثلًا ريوجي تسوكازاكي، أحد أبطال رواية البحار الذي لفظه البحر، حيث يبدو واضحًا فرض ميشيما افتتانه بمجدٍ يسبق موتًا جماليًا عليه حيث يكتب:

"غير أنه [ريوجي] كلما كان يفكر، كان يبدو له حتميًا أنه لكي يصل إلى المجد فينبغي للعالم أن ينهار. فانهيار العالم والمجد شيئان لم يكونا يشكلان إلا كُلًا واحدًا."

و نفس هذا الموت يبدو ماثلًا في رواية سيرته الذاتية اعترافات القناع، إذ يرسم ميشيما هنا صورة طفلٍ مولعٍ بالموت البطوليّ. فيُبدي إعجابه بمقطع لقصيدة الشاعر الإيرلنديّ أوسكار وايلد فيقول: "وقُدّر لي أن اكتشف بعد سنوات تمجيدًا لموتٍ نبيلٍ بهيّ الطلعة في مقطع شعري لأوسكار وايلد يقول:

"بهيّ هو الفارس الذي يرقد ذبيحًا

وسط الأسل والقصب"

وفي نفس الرواية يظهر عامل الإثارة الجنسية، ممزوجًا بالموت المؤثّل، والجماليات التي تتخلل كلًا مما سبق .فيرسم الكاتب إعجابه بلوحة استشهاد القديس سان سبستيان للمصور جيدو رينيه، حيث يبدو القديس مُعلقًا من يدين مربوطتين بجذع شجرة والسهام تخترق جسده. مشهد لطالما مثّل الرؤى الأولى للاستشهاد المؤثَّل الذي بحث عنه ميشيما. بل أكثر من ذلك، كانت هذه الصورة — حسب قوله — هي تجربته الجنسية الأولى. وهذا الثلاثيّ - الموت البطولي، والإثارة الجنسية، والجمال - هو لُب الموضوعات التي يناقشها ميشيما خلال مسيرة انتهت بانتحاره الشعائريّ عام 1970 عن طريق السيبّوكو- هاريكيري، وهو موت يفرضه الساموراي على نفسه إذ يفرغ المرء أمعاءه باستخدام كاتانا قبل أن يُقطع رأسه. ويُعَدّ هذا الموت أشرف موت وفق عقيدة الساموراي (بوشيدو). ويكون بهذه الطريقة قد حقق ميشيما أكثر عرضٍ تراجيديّ له ووضّح فكرته أن الجمال يبلغ أوجه عندما يتدمر عند قمته. ويبدو هذا التفسير لموته موافقًا لقصيدة الموت التي كتبها سويعاتٍ قبل انتحاره:

"تهُبّ عاصفة ليلية هادئة
قائلةً "السقوط أساس الزهرة"
سابقة شكوك المترددين"

وقبل بدء حديثنا عن هذا العمل الضخم، لا يمكن إلا الإشادة بترجمة اليوناني ديمتري أفييرينوس، والتي نُشرت عام 2021 من دار المطبوعات للتوزيع والنشر وما احتوت عليه من شرح للحواشي، والفلسفة البوذية، وبعض تفاصيل الفن الياباني، ومدينة كيوتو اليابانية التي تقوم أغلب الرواية على أرضها. استطاع أفييرينوس نقل أسلوب ميشيما النثري من اليابانية إلى العربية بالسلاسة ما أمكن، دون الإخلال بعمق ما يتخلل الرواية من دقائق فلسفية. وهي ليست بالمهمة السهلة، وفقًا للأمريكي جون ناثان، أحد أبرز مترجمي ميشيما، والذي كتب سيرته، حين صرح في إحدى مقابلاته عن مدى صعوبة الموازنة بين الاحتفاظ بأصل النص دون تعديل وبين كتابة رواية يمكن قراءتها. كما استطاع أفييرينوس المحافظة على طبيعة تشبيهات ميشيما واستعاراته المتفردة بعبقريتها.

استند ميشيما في كتابة روايته إلى حادثة حرق المعبد الذهبي. ففي صباح الثاني من يوليو عام 1950 صحت مدينة كيوتو على حريق التهم أحد أبرز معالم اليابان السياحية؛ ألا و هو المعبد الذهبي. منفذ الحريق، هاياشي يوكن، كان راهبًا شابًا يعمل بالمعبد. وصف يوكن مبعثه لحرق المعبد هو إحساسه بدمامته الشديدة و كرهه لكل ما يتملكه الجمال.

"رسالة ضد الجمال." تلك الجملة هي اختزال فلسفة هذا الكاهن المصاب بالذُهان. و من تلك النقطة بعث ميشيما قريحته في إيجاد حل لذلك اللغز المخيم على الجميع: لماذا قد يكره شخص الجمال؟ جديرٌ بالذكر أن بول شريدر، مخرج فيلم الوثائقي عن ميشيما: ميشيما: حياة في أربعة فصول (Mishima: A Life in Four Chapters) وصف ميشيما بأنه مريض ذهان قادر على القيام بوظائفه.

تمتاز الرواية بكلاسيكيات المواضيع التي يناقشها ميشيما وعلى رأسها الموت المؤثّل، والإثارة الجنسية، وحقيقة الجمال، و حقيقة العالم المحيط -إن كان يمكن تغييره بالفعل أم بالعلم– بالإضافة إلى الفلسفة البوذية وما تحتويه من مسائل مثل مسألة نانسن يقتل هرة (Nansen Kills a Cat).وعند توظيف الجمال لاستكشاف الطبيعة الإنسانية يبذل ميشيما جهدًا لا بأس به، ليس من خلال هذا العمل فحسب، بل خلال أغلب أعماله. ولا يُعَدّ هذا غريبًا على رجلٍ كرّس حياته لاستكشاف الجماليات، الجسدية منها والروحية.

يقوم قوام القصة على ميزوغوتشي، ذلك المتأتئ الذي ينضم راهبًا إلى المعبد الذهبي. كما تحكي في سياق موازٍ عن التغيرات التي طرأت على اليابان في السنوات قبل الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد الانتداب الأمريكي، تتعرض الرواية إلى تكوين ميزوغوتشي النفسي حيث يحاول ميشيما صنع ديناميكية تربط علاقة المتأتئ بنفسه وبالعالم الخارجي حوله كاتبًا:

"غنيٌ عن القول أن تأتأتي صنعت حاجزًا بيني و بين العالم الخارجي. الصوت الأول هو الذي أعاني صعوبة شديدة في نطقه فهو مثل مفتاح يفتح الباب الذي يفصل عالمي الداخلي عن العالم في الخارج، ولم يحدث قط أن دار ذلك المفتاح في قفله بسلاسة."

ويمثل هذا النموذج - نموذج ميزوغوتشي - الناقم على نفسه بسبب إعاقته مرآةً معاكسةً لنموذج شخصية كاشيواغي. فبينما يعظم الأول اختلافه عن الناس ويعد عدم قدرة فهم الناس له مصدرًا للفخر والاعتزاز، يرفض كاشيواغي أن يُحَدّ بإعاقته وأن تصبح صفةً ملازمةً له، بل إنه يستنكر على ميزوغوتشي اعتبار تأتأته مصدرًا للإزعاج قائلًا:

"أراك تغالي في أخذ نفسك على محمل الجد، أليس كذلك؟ ونتيجةً لذلك، تغالي في أخذ تأتأتك على محمل الجد فضلًا عن نفسك."

لا تعترف ولا تبذل الرواية جهدًا في تعريف الحاجز الأخلاقي بين الخير والشر. و يتبادل كل من ميزوغتشي كاشيواغي في كونهما صوتًا يعبر به ميشيما عن نظرته للحياة، والجمال، فضلًا عن الموت وبعض المسائل البوذية.

تبدو اسقاطات آراء ميشيما الراديكالية بارزة عند ميزوغوتشي، الذي يتمنى الموت مع المعبد الذهبي بإحدى القنابل الأمريكية على كيوتو لكنه يواجه بالرفض. ويماثل هذا الافتتان بالموت افتتان ميشيما نفسه بالموت الذي سعى جاهدًا لطلبه، إذ يعبر عن ندمه عن عدم تطوعه للحرب العالمية الثانية في اعترافات القناع، ويذكر رغبةً عارمةً للاستشهاد في أرض المعركة. ولعله يماثل رأيًا كلاسيكيًا بعض الشيء لدى الكثير من الحضارات القديمة عن بلوغ الرجولة أوجها بالموت في أرض الوغى. والرفض نموذجٌ يتسلل ليفسد حياة ميزوغوتشي. فيرفضُ الناس كما يرفضونه وينعزل عنهم وفي آخر المطاف يرفض الجمال والمعبد الذهبي. وأول حادثة يبدو فيها هذا الرفض بارزًا هو رفض أويكو له، الفتاة التي تمثل أوج رغبته الجنسية والرومانتيكية. ويعود هذا الرفض ليطارد أويكو التي ترفض العالم هي الأخرى، فيقول:

"لم أستطع، من ناحيتي، إلا التحديق في وجه أويكو دون أن ترمش عيناي. بدت كأنها مجنونة قُبض عليها… لم أكن قد رأيت قط حتى ذلك الوقت وجهًا بهذا الامتلاء بالرفض. فوجهي، كما فكرت، كان وجه نبذه العالم، لكن وجه أويكو كان ينبذ العالم."

يتملك جمال المعبد الذهبي عقل ميزوغوتشي حتى يصبح غير قادرٍ على التفكير إلا فيه. ويبدو هذا بارزًا خصوصًا عند مناسبات يستدعي فيها جسده للتفكّر في الحياة و لمسها. تتمثل صورة المعبد الذهبي عند ميزوغوتشي عند مغامراته الجنسية فيصاب بضعف الانتصاب عند محاولته ممارسة الجنس ما يصيبه بشعور بالخزي، ويماثل هذا نظرة ميشيما للرجولة السامة التي تعرّف الرجل بقدراته الجسدية والجنسية. ويقرر هنا ميزوغوتشي صب عجزه عن لمس الحياة - وتمثلها الرغبة الجنسية هنا - والأبدية - ويمثلها الجمال الذي يتملكه المعبد - في نفس الآن قائلًأ:

"ربما كان من حق الجمال أيضًا أن يطالبني بالتخلي عن هدفي السابق. فمن الواضح أن لمس الأبدية بيد، ولمس الحياة باليد الأخرى من المحال."

هناك يستقر رأي ميزوغوتشي على تدمير المعبد بنفسه، ليحقق تحرره الروحي ليستطيع ممارسة الحياة كباقي البشر. "أردت أن أعيش." بهذه العبارة اختتم ميشيما رائعته ليوضح تحرير ميزوغوتشي لنفسه من تكبيل الجمال له.

أين الرابط إذًا بين هذه النهاية وبين نهاية حياة ميشيما نفسها؟ لعل ميشيما أدرك - حسب منظوره - أن الجمال قوة مكبلة يصعب التحرر منها. و لكي يحقق المرء التحرر الكامل من جمال هذه الحياة، يكون واجبًا عليه أن يدمر الجمال ومعه نفسه. وفي حالة ميشيما يُقصد بالجمال هنا جمال الجسد. وبما أنه لا محالة من زوال الجسد وهرمه سيبقى المرء حبيسًا لتصوره عن الجمال طالما بقي الجسد يتنفس. ولكي يحقق المرء التحرر الكامل لا بد له من تدمير الجمال عند بلوغه قمته، فلا فائدة من انتحار شعائري على جسد هرم.

لكل ما سبق ذكره يصعب تصنيف الرواية ضمن قالب واحد دون الإخلال بباقي الأوجه المهمة لها، وتظل عملًا خالدًا أرسى به ميشيما ركائزه بين نجوم ساحة الأدب العالميّ.


مؤثل هشام كاتب قصص قصيرة و مقالات، نشر في مجلة Baladi Magazine، The Sudanist، و Global Voices. نُشرت قصته القصير "الفتى الذي ضاع بين الرمال" على Baladi Magazine.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page