لا أظن أن عقلي يتعفن
مريم الحبيل
"شاشة الهاتف ليست مشكلتي، مشكلتي هي شاشة التلفاز الذي في عقلي." ما إن تفوّهت بهذا حتى وصلتني ضحكة صديقتي الجديدة عبر الهاتف، وبعد أن شاركتها بضحكة تلقائية أفلتت مني أوضحت؛ "لكنني كنت جادة في حديثي!"، فأفكاري بالنسبة لي أشبه بمحتوى يُعرض عبر تلفازٍ داخل عقلي، وأحياناً أحتاج إلى التوقف عن التفكير، خصوصاً حين يكون موضوع ذلك التفكير ليس كتاباً ولا فيلماً، بل هاجسٌ يعكّر سكون نفسي.
كان الحديث الطويل قد تفرع إلى سعينا لإيقاف استخدام منصات التواصل الاجتماعي في حياتنا اليومية، وعن كونها تحاول الابتعاد عن الشاشات إلى نشاطات أخرى تساعدها على تحقيق الحضور الذهني مثل التأمل وتدوين الأفكار، وكنت قد تعرفت على هذه الصديقة الجديدة مؤخراً، وقربتنا كثيراً مواضيع الصحة النفسية، ولأن لكلتينا اهتمام في هذا الموضوع، فقد اختصر هذا المشترك الكثير من الوقت وقربنا كثيراً، وهذه الصديقة ليست الصديقة الوحيدة التي تشاركني هذا الاهتمام، بل إنني مؤخراً لاحظت أن كثيراً من الأشخاص في دائرتي يشاركونه، سواء كان مبعثه معاناةٌ شخصية، أو معاناة أحد أفراد الأسرة.
"عقلك يتعفّن" هذه هي العبارة التي حكمت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي أن أراها كثيراً في إعلاناتها. تحذرنا هذه الإعلانات من العفن العقلي والـ(Brain rot) بسبب تصفحنا المُفرط لمنصات التواصل الاجتماعي، والغريب أن هذا المحتوى ذاته قد يؤدي لقضاء ساعة أخرى من التصفح، لتقرر إن كنت تحتاج شراء تطبيق يساعدك على التوقف عن التصفح المفرط للمنصات، أما أنا فأتجاهلها بسرعة في معظم الأحيان؛ فهي تعيدني لهاجسٍ مرعب بأن يتعفّن عقلي، ليس من شاشة الهاتف ولكن نتيجةَ المرض.
يطفو هذا الهاجس في عقلي حين أبشّر طبيبي بأني حلَلْتُ أحجية جديدة، فأؤكد له صعوبة تلك الأحجية هذه المرة، وإنني قد اطمأَنْت بأن "عقلي لا يزال يعمل". أقول تلك الجملة الأخيرة بشكل شبه ساخر لأواري خوفاً جدياً. لا يجد طبيبي مخاوفي منطقية، ويردُّ وتعبير أكثر جديّة من العادة يكتسي وجهه: "لمَ تقولين ذلك عن نفسك يامريم؟ أنتِ شخصٌ ذكيّ."، ينجح هذا التأكيد القادم من طبيبٍ نفسيّ مختص بتهدئة مخاوفي قليلاً، لكن هذه المخاوف تتواجد في ذهني باستمرار، وليس لي إلا أن أحاول أن أهادنها.
رحلتي مع عقلي مرت بتغيرات عديدة، فحتى أواخر العشرينيات من عمري كنت أثق مطلقاً بقدرتي على الصمود في وجه الضغوطات، فتجاهلت نوبات الاكتئاب وظننتها في نطاق المعقول والطبيعي. بعدها اضطررت إلى العلاج واستخدام الأدوية-- واقعٌ كان من الصعب جداً أن أقبله. أوضح لي أطباء كثيرون أن السبب لعدم استطاعتي أن أتعافى بإرادتي المحضة، لأعود كما كنت كشخصٍ لا يحتاج الأدوية، هو أن المرض النفسي مبعثه أحياناً عارضٌ عضوي، أشبه باختلال في كيمياء الدماغ يستلزم التدخل بالأدوية لإعادة التوازن، وعلى سبيل المثال وبشكل مختصر فإحدى أكثر الأدوية النفسية شيوعاً هو من صنف يدعى SSRI تعمل على تنظيم عمل هرمون السيروتونين حتى يقوم بوظيفته كناقلٍ عصبي بشكلٍ يُساعد على التعافي من الاكتئاب، فأحياناً لا تسعفنا الإرادة. هذا التوضيح نفى عني تهمة اتهمت بها نفسي وهي الضعف. هاجسٌ آخر أحاول التخلص منه، لكن ورغماً عنّي أتساءل أحياناً لمَ انكسرت هكذا وأنا كنت لا أنحني؟ ثقتنا بنفسنا تعتمد أحياناً على أوهام غير واقعية عن مفهوم "التحمل" وأن إثقالك لنفسك بما لاتحتمل، هو رياضة نتائجها تصاعدية ستعلمك القوة، وكأن الأمر مثل رياضة رفع الأثقال! أستطيع القول بأنني لم أعد أصدق مايمكن أن نسميه بالوهم الهرقلي عن نفسي، ولا حتى عن الآخرين حين تسوقني التكهنات الفضولية لحيوات الآخرين.
الأيام الأخيرة تقرّبني لحلٍ لمعضلتي مع عقلي الذي أخشى تعفنه، وليس هذا الحل الذي ارتأيته لنفسي هو أن أستغني عن منصات التواصل الاجتماعي، أو أن أكتفي بتناول عصائر خضراء لأسبوع. قد تنجح مثل هذه الوصفات، ولعلّ لها تأثيرٌ إيجابيّ، لكنني أعتقد أن مايقي عقلي هو ذات الشيء الذي يقي قلبي من الوحدة؛ فبينما أطبع هذه الكلمات على لوحة المفاتيح وتؤنسني أصوات الموسيقى المنبثقة من السماعات المعلقة على أُذناي، يتخلل ذلك شعور بالراحة العجيبة وكأنني تنهدت بعمق. الراحة التي أجدها حين أعرف أن من الممكن أن تترجم اللغة أفكاري حتى تتواجد خارج عقلي، وأنه من الممكن أن يحمل الهواء أفكاري ككلمات أنطقها، أو أن ينقلها القلم عبر الكتابة، فتجد أسماع الآخرين وقلوبهم أحياناً.
أُسعف نفسي بالكتابة والحديث، والكتابة ماهي إلا محض أداة لحديثٍ وسجالٍ آخر في عالمٍ من السجالات التي لا تنتهي، وكل الكتب والأفلام والمقالات تتواجد ضمن هذا العالم. ولذلك فحين نكتفي بالقراءة والتصفح عبر الورق أو عبر الشاشة ودون الحديث يداهمنا شعور أن كل شيء غدى بلا معنى، حتى نرفع أعيننا عن الشاشة لنلتقي أعين من حولنا ومن أحطنا أنفسنا بهم، عيونٌ تشارك تساؤلاتٍ مشابهة، ويسكنها فضولٌ لا ينطفئ.
نعم، يمكن للصداقة أن تُنقذنا، فأيُّ حياةٍ نعيش دون أن تستطيع رفع الهاتف لنخبر صديقاً عن فكرة انبثقت في ذهنك البارحة؟ أو أن نلتفت فتجد هذا الرفيق بجوارك فتطلعه على آخر تأملاتك. لعقولنا حيواتٌ أيضاً، وأي حياةٍ سيعيشها هذا العقل وسط الوحدة؟
مازلت أؤنس عقلي ويؤنسني، ولا أظن أن عقلي سيتعفن، أظن أنه سيظل رفيق الدرب، وأنني سأعرف كيف أطببه بالصداقة والفرح حتى لا أرى جانبه المظلم. أظن أنني سأحيا أكثر وأفكر أكثر وأضحك أكثر وأحزن أكثر، وأنه لابد أن يأتي يومٌ يغادرني فيه الخوف من أن يتعفن عقلي.
مريم الحبيل كاتبة سعودية تكتب عن الفن والثقافة والصحة. يمكن متابعة حسابها على انستغرام alhubailmaryam @