top of page

الحوار في العصر الرقمي: لماذا يهمّ كيف نقرأ وماذا نقول؟

بقلم باتريك غرانت
ترجمة د. حسام المجلي


لماذا الحوار؟ مقدمة موجزة
تعود بنا المناقشات حول الحوار إلى زمن بعيد، على الأقلّ إلى أفلاطون، الذي تُشكّل تأمّلاته القيّمة حول هذا الموضوع، قبل نحو 2500 عام، "بحرًا لا ساحل له"(1)، كما يقول روبرت ن. بيلاه، قد اجتذبت أسطولًا ضخمًا من المغامرين والمستكشفين الآخرين.
ويتمحور جوهر رؤية أفلاطون للحوار حول فكرة أنّ الناس يتعلمون كيف يفكّرون ويعيدون تقييم أفكارهم وقناعاتهم الراسخة عن طريق الدخول في نقاش بعضهم مع بعض بروح تعاونية، وإن اتّسمت أيضًا بالتحدّي المتبادل. تُكتسب هذه الروح بالممارسة، وتتميز بالرغبة في المشاركة في عملية الاكتشاف حيثما قد يقود مسار بحث معيّن. وشخصيات المشاركين جزءٌ من هذه العملية؛ لأنّ البنى الشعورية التي تثير التفكير وتُثريه تُسهم أيضًا في تشكيل التقييمات والالتزامات الأخلاقية والجمالية والدينية للأفراد. وباختصار، التفكير الحواري مُجسَّدٌ، ولا يقتصر على تبادل الأفكار المجرّدة، بل في الحوار يظلّ التفكير معقّدًا ومنفتحًا تمامًا كما أنّ الأشخاص منفتحون، ودائمًا غير مكتملين.
تعود معظم مناقشات الحوار، وكذلك معظم الحوارات المكتوبة، بشكل أو آخر إلى هذه الشواغل الأساسية. هذا الكتاب ليس استثناءً، وعلى امتداده، اتّباعًا لأفلاطون، أؤكّد على أنّ الحواري والشخصي مترابطان ترابطًا وثيقًا. أفعل ذلك استجابةً خاصة لمناخ العصر السائد اليوم، حيث يُصاحب تقديسًا افتراضيًّا للفرد تقشُّف مماثل لفكرة الشخص؛ لذا تصعب ملاحظة الاختلافات بين الأفراد والأشخاص، ومن ثَمَّ، تُتجاهل الآثار السياسية لتلك الاختلافات إلى حدٍّ كبير.

السوق الحرّة غير الحرّة
منذ بداياته -تقريبًا مع انهيار نظام الإقطاع- اعتمد نظام السوق الحرّة على مرونة الأسواق وديناميكيتها لتوجيه تدفّق رأس المال، وعلى الدولة لحماية الأسواق من التدخّل الإجرامي والممارسات غير العادلة. وكما يقول روبرت هايلبرونر: "لم تكن هناك آلية اجتماعية كهذه لتحقيق تقدُّم اقتصادي مستدام"، ومع ذلك، وعلى مرّ تاريخه، قد ولّد نظام السوق الحرّة -أو الرأسمالية- "الثروة والبؤس في آنٍ واحد". أي: أنّ الرأسمالية، في كل مرحلة، جلبت معها أشكالًا جديدة من المعاناة والحرمان كأثر جانبي لنجاحها. ولأنّ منطق الأسواق، كما يقول هايلبرونر، "غير شخصي مثل التكتيكات العسكرية"(٢)، فإنّ العواقب اللاإنسانية لهذه "الآلية" للتقدّم غالبًا ما تُعَدُّ، إلى حدٍّ ما، أضرارًا جانبية. بالطبع، قدّم الكثير من الأشخاص ذوي الضمائر الحية -ولا يزالون يقدّمون- أعمالًا خيرية لمساعدة ضحايا النظام الذي يساهمون في استمراره في الوقت نفسه. ولكن مهما كانت هذه الأعمال رائعة، فإنّ حسن نية الأفراد لم يكن كافيًا لتعويض العديد من أوجه عدم المساواة الواسعة النطاق والقاسية في كثير من الأحيان، فضلًا عن قدر كبير من المعاناة التي يمكن تجنّبها.
لقد بذلت العمليات السياسية في كثيرٍ من الدول جهودًا كبيرة لتصحيح بعض أسوأ مظاهر التجاوزات الرأسمالية على الأقلّ – عن طريق قوانين العمل، والصحة العامة، والضمان الاجتماعي، وما إلى ذلك. ومع ذلك، على نطاق واسع، لا يزال رأس المال العابر للحدود الوطنية اليوم يتجاوز الضوابط السياسية التي قد تعدّل التفاوت الذي لا تزال الأرباح تضعه بين الناس. كما أنه مع تحوّل رأس المال الصناعي إلى رأس المال المالي، قد نشأت أزمات جديدة من داخل النظام، ولا يزال النظام يستوعبها. وكما هو الحال دائمًا، فإنّ المحرّك الرئيس للعملية برمتها، سواء على المحيط المتوسّع الخارج عن السيطرة أو في المركز الراسخ الذي لا يُقهر، هو المصلحة الذاتية، وقانون الفرد ضدّ الجميع في السعي نحو التقدّم.
في ظلّ هذه الظروف، فإنّ المفهوم تمامًا أنّ القيمة العالية تُعطى لفكرة الحرية الفردية، مع أنه، كما يؤكّد تأمّل سريع، في ظلّ هذا النظام، لا يكون الناس أحرارًا بقدر ما هم معزولون، حيث يتنافس كلٌّ منهم مع الآخرين. قد تكون السوق حرّة، لكنّ "الأفراد" الذين يعملون بجدٍّ داخله أقلّ قدرة على تحديد مصيرهم مما يعتقدون غالبًا.

مناخ العصر
من المفارقات، في المرحلة الثقافية الراهنة، أنّ تفتيت الأفراد والآليات التي تُجرّد الأشخاص من إنسانيتهم تتفاقم تفاقمًا كبيرًا بتقنيات الاتصال التي تطورت تطورًا ملحوظًا بالثورة الرقمية. إنّ الهواتف المحمولة، والرسائل النصية، وفيسبوك، وتويتر، وإنستغرام، والبريد الإلكتروني، والشبكة العنكبوتية تُتيح تواصلًا مفرطًا غالبًا ما يتحوّل إلى تواصلٍ شبه معدوم.
إحدى المشكلات ببساطة هي أنّ لموجات المعلومات الهائلة بدون سياق تأثيرًا مُجزِّئًا يجعل من الصعب تطوير أيّ مخزون مترابط من المعرفة الشخصية، التي يُمكن عن طريقها تشكيل خطاب متماسك. حتى بالنسبة للكثيرين ممن يمتلكون منظورًا نقديًّا متطوّرًا، فإنّ مهمة غربلة الكمّ الهائل من المعلومات (والمعلومات المضلّلة) تُعدّ مرهقة للغاية ومستنزفة للوقت.
ومن ثَمَّ، ليس من الصعب اليوم ملاحظة كيف أنّ أمرًا مشكوكًا فيه واسعَ نطاقٍ حول الخطاب العام يرافقه تغليب العاطفة على العقل –زر الإعجاب، إن صحّ التعبير- مصحوبًا باستعداد لتجاهل الأدلة والحجج المنطقية. ليس من المستغرب أن يصف تقرير حديث صادر عن مؤسسة راند "تراجعًا مطردًا في مصداقية" الصحافة في الولايات المتحدة في العقود الثلاثة الماضية، حيث تحولت التغطية الإخبارية تحولًا متزايدًا "إلى محتوى قائم على الرأي يستثير العاطفة"، بينما تستغلّ المصادر المتطرفة أسوأ غرائز الناس، مثل: الخوف والتعصب القبلي"(٣). بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الزيادة السريعة في المراقبة الجماعية، والانتشار السياسي والتجاري الواسع للخوارزميات المتطوّرة بالبيانات الضخمة، واستخدام تقنيات "التصميم الإقناعي"، والترويج الموجّه، كلها تُنتج عكسًا تامًّا لحقّ الفرد في تقرير مصيره وحرية الفرد التي تدّعي هذه المؤسسات المزدهرة المختلفة أنها تدافع عنها.
ومما يزيد الأمر تعقيدًا، أنّ معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة في الولايات المتحدة وكندا اليوم مثيرةٌ لقلقٍ بالغٍ. ففي الولايات المتحدة، فإنّ ثُلُث السكان تقريبًا "أمّيّون أو شبه أمّيّين"، وحوالي 50% من البالغين "لا يستطيعون قراءة كتاب مكتوب بمستوى الصف الثامن". أمّا في كندا، فإنّ لدى نحو 43% من البالغين ضعفًا في مهارات القراءة والكتابة، أي: أنهم "ضعفاء جدًّا بحيث لا يكونون مؤهّلين تمامًا لمعظم الوظائف في اقتصادنا الحديث". وقد قيّم تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2012) مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و19 عامًا في 23 دولة. وكانت المملكة المتحدة في المرتبة 23، والولايات المتحدة في المرتبة 21، وكندا في المرتبة 17(٤). وتُشير ماريان وولف، التي تُجيد الكتابة عن تأثير التكنولوجيا الرقمية على تعلّم الأطفال، إلى أنّ "ثُلُثي أطفال الصف الرابع في الولايات المتحدة لا يقرؤون بمستوى "مُتقن"". تقدّم أدلةً على أنّ الأطفال الذين يُسمح لهم بقضاء وقت طويل أمام الشاشات لا يقرؤون أو يحلّلون أو يفهمون بمثل كفاءة الأطفال الذين يُقيّد وقتهم أمام الشاشات.
ومع أنّ مهارات القراءة الجيّدة ضرورية "للحفاظ على الصحة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية لدولتنا"، إلّا أنّ "الثُّلُثين أو أكثر من مواطني الولايات المتحدة المستقبليين لا يمتلكون هذه المهارات حاليًّا، ولا يقتربون منها"(٥). لا توصي وولف بمحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بأيّ شكل من الأشكال. بل ينبغي لنا التركيز على تطوير مهارات القراءة والكتابة حتى لا يُهمل العمل الدؤوب لتعلّم القراءة والتفكير والتواصل، حتى مع أنّ كثيرًا من أوقات الناس يستحوذ عليها نوع مختلف من الانتباه الذي توفّره وسائل التواصل الرقمي.
في ضوء كلّ هذا، فإنّ نقطتي الأساسية بسيطة للغاية: إنّ مجال الرسائل النصية المختصرة، والغضب على فيسبوك، وبيان السياسة العامة المكوّن من 140 حرفًا، إلى جانب الارتباك العام المُنهك الناجم عن وفرة المعلومات، وما يُطلق عليه الـمُعلِّق التلفزيوني فان جونز ببراعة "ثقافة الإلغاء؛ ثقافة التشهير"(٦) (التي أفترض أنه يقصد بها الإستراتيجية الرائجة المتمثلة في الرفض العدائي الفوري لأيّ وجهة نظر مُخالفة، يليه اتهام مُباشر)، لا يُمثّل بأيّ حال من الأحوال ما أعتبره حوارًا. أيضًا، مع أنّ هذه المؤشرات على الضيق خاصة بالعصر الراهن، إلا أنه من الجدير بالذكر أنها تُعيد إنتاج -بل وتُفاقم- حالات الاغتراب الأساسية الناجمة عن نظامٍ قد قدّس منذ البداية المصلحة الذاتية والفردية على حساب الشخصية. وهنا، أستخدم مصطلح "الشخصية" بمعناه التقليدي للإشارة إلى طريقة فهم الناس والوسائل الثقافية والسياسية التي يُنظّمون بها حياتهم المشتركة. بمعنى آخر، يُقال إنّ الأفراد يكتسبون الشخصية عن طريق العلاقات، ويستلزم ذلك إدراكًا لدى الآخر لوعي وقصدية مماثلة لوعيهم وقصديتهم، إلى جانب شعور مشترك بالغربة أو الاختلاف. ولأنّ الشخصية تتطوّر دائمًا بواسطة العلاقات الشخصية، فإنه يترتب على ذلك أنه في المجال الاجتماعي، يعود خير الجميع على أنه خيرٌ لكلّ فردٍ، بحيث يكون تحقيق الأهداف الجماعية أيضًا خلقًا ذاتيًّا من قِبَل أولئك الفاعلين أو الأشخاص الذين يحقّقونها(٧). شبيه هذه العملية في مجال الخطاب اللفظي هو ما أقصده بالحوار.

فسيفساء متجسّدة
يبقى التشبيه بين الحوار والشخصية جوهر ما سأتناوله في الصفحات التالية. كما أودّ أن أشير إلى أنّه في الحوار يتنشط كامل نطاق اللغة البشرية، بحيث لا تقتصر اللغة على استخداماتها الأداتية المجردة من الشخصية. إنّ الكلام الرمزي السريع، الذي ينفرد به الإنسان العاقل، يمثّل ميزة تطوّرية قوية للغاية، ولكنه أيضًا عبارة عن فسيفساء من الهياكل والمهارات المنفصلة.. وكما يُذكّرنا مبدأ التطوّر المتمثل في الحفاظ على المكاسب، فإنّ المهارات الجديدة تُبنى على المهارات السابقة وتُدمجها، بحيث يُعطّل أيّ خلل في مستوى أساسي أيةَ قدرات أكثر تخصّصًا تتطور لاحقًا. من المرجّح أنّ الأسس الأولى للكلام البشري كانت فيما يُسمّيه داروين "الأغنية البدائية" – أي: الصرخات والإشارات التي يُفترض أنها تُعبّر عن الخوف والألم والانتصار والإنذار، وما إلى ذلك. بمرور الوقت، أُضيفت طبقات أخرى من التواصل عن طريق التجميع والتركيب لإنتاج شبكة معقّدة، لا تخلو دائمًا من احتكاكات داخلية. كما يُبيّن ميرلين دونالد بالتفصيل، تطوّرت الإيماءات الجسدية نحو عروض محاكاة، ومع ظهور اللغة المنطوقة، إلى سرد القصص والرقص والطقوس(٨). وقد أدّى التطوّر اللاحق للتفكير من الدرجة الثانية (التأمّل في عملية التفكير نفسها)، وظهور الكتابة والطباعة، إلى زيادة قوة اللغة بسرعة، وأحدث إعادة تنظيم جذرية للمجتمع البشري.
اليوم، تتطور تقنيات الاتصال الرقمي بسرعة كبيرة لدرجة أنّ التحدي الأكبر يكمن في فهم كيفية اندماج التحوّل الحاسوبي برمته ضمن القصة ككلٍّ، وكيفية إدارته مع مراعاة الطبقات السابقة التي لا تزال تدعمه وتحافظ عليه.
مع ذلك، ليس من السهل دائمًا مراعاة ذلك. فقد يتجاهل رائد أعمال في سوق الأسهم بسهولةٍ بالغةٍ القصصَ والتقاليد التي تدعم نمط حياة في مجتمع محلّي يُصادف أنه يمثّل فرصة استثمارية. وبالمثل، فإنّ الاستغلال المتعمد للروايات التقليدية والتلاعب بها لأغراض نفعية بحتة، مثل: الترويج للاستهلاكية أو تحقيق مكاسب سياسية، قد يتجاهل بسهولة بالغة كيف يمكن للأساطير القديمة والقصص والممارسات الطقسية أن تربط الناس بالبنى الأساسية لتعايشهم مع الطبيعة في علاقة بعضهم ببعض. وبدوره، يعتمد هذا التعايش على اعتراف واحترام مسبقَيْن (كما يؤكّد إيمانويل ليفيناس بشدة) ينشآن عن طريق لقاءات شخصية مباشرة، ولا يمكن تجنّب التقليل من شأنهما بثقافة تروِّج ترويجًا مفرطًا للفردية والاستخدامات النفعية للغة. إنّ أساليب التواصل النفعية والمناسبة مفيدة بالطبع، بل ضرورية، لأغراض عملية. لكنّ الحوار يقوم على فهم (سواء كان ضمنيًّا أم لا) بأنّ التقييد المعتاد لكامل نطاق مهاراتنا اللغوية يعزلنا عن جانب مهمٍّ مما يشكِّلنا كأشخاص.

الفنّ مثل الحوار
لكن كيف لنا أن نتعامل مع حقيقة أنّ الحوار يُعَدُّ عادةً أن يكون شفهيًّا، بينما أصبحت حضارتنا منذ زمن طويل تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الكتابة؟ أحد الإجابات (كما يُبيّن والتر أونغ)(٩) هو أنّ الشفهية والكتابة متداخلتان، بحيث يكون الحوار في مجتمع مُتعلم لا ينفصل عما يُكتسب من القراءة. كان أفلاطون يُعاني بالفعل من هذا التعقيد. في محاورة فايدروس (275أ)، يُعرب سقراط عن أسفه لأن الشباب الذين يُركّزون كثيرًا على القراءة سيكونون أقلّ قدرة على التذكّر، ومن ثَمَّ، سيكونون أقلّ قدرة على المشاركة في الحوار، وهو شفهيّ. لكن في كتاب "القوانين" (الذي يغيب عنه سقراط)، وُصفت العديد من القواعد بأنها مُدوّنة كتابةً لأنّ المجتمع لا يمكنه الاستمرار بالاعتماد فقط على التقاليد الشفهية. هذا التوتّر بين متطلبات الشفهية والكتابة يتكرر في جميع المحاورات، حيث يُؤدّي سقراط دوره شفهيًّا ولكنه أيضًا شخصية في عمل أدبي. باختصار، طوال المحاورات، كُتب الخطاب الشفهي للقرّاء، ولولا ذلك لما استطعنا فهم القيمة التي يوليها أفلاطون للحوار في المقام الأول. أي: أنّ كتابته تُمكّنه من تقييم الخطاب الشفهي من منظور نقدي وإضفاء قيمة عليه. وبذلك، كان يُدرك تمامًا أنّ جزءًا من ثمن مزايا الكتابة هو أنها تُبعدنا عن اللقاء الشخصي المباشر مع الـمُحاور.
بناء على ذلك، فإنّ إصرار أفلاطون على الروح الحقيقية للحوار هو في حدّ ذاته تحذيرٌ من الجوانب التي تجرّد الكلمة المكتوبة من إنسانيتها، وبذلك من المفاهيم المنفصلة عن التجربة المعيشة. ونتيجةً لذلك، حرص على تأليف المحاورات كعروض درامية تُجسّدها شخصيات متنوعة تُشكّل شخصياتها النقاش، الذي بدوره يتضمن الشعر والأسطورة والاستعارة والرمز والسرد والإشارات الأدبية بأنواعها المتعددة، وكذلك الجدل الحادّ والمتشعب في الحوار. بالنسبة لأفلاطون، تُعيد الكلمة المكتوبة خَلْق تجربة الخطاب الشفهي عن طريق أسلوب الكتابة الأمثل لتحقيق ذلك، وهو ما يُعرف اليوم بالأدب. لا تقع المحاورات في فخّ البرودة واللامبالاة اللَّتَيْن حذّر منهما أفلاطون؛ لأنها، عن طريق فنّها الأدبي، تُشركنا كقرّاء تمامًا كما يتفاعل المشاركون في الحوار نفسه بعضهم مع بعض.
الطرق التي يتسم بها الفنّ والأدب بالحوار قد استكشفها هانز-جورج غادامير وميخائيل باختين، من بين آخرين، ويظلّ الترابط الذي يصفانه بين الحوار في الفنّ والتفاعل المباشر وجهًا لوجه محورًا لما سأتناوله في الصفحات التالية. ومع ذلك، يبقى الواقع أنّ الفنّ والحياة مختلفان. فاللوحة التي تُصوّر شخصًا ما ليست هي الشخص نفسه، والجمهور في دراما مأساوية يعلمون أنّ البطل لا يموت حقًّا على خشبة المسرح. وبالطريقة نفسها، نعلم أنّ حرق كتاب وحرق مؤلفه جريمتين من نوع مختلف. ومعنى ذلك، أنه مع أنّ الفنّ يُشركنا حواريًّا، إلا أنه يخلق عالمه الخاصّ، المتميز عن اللقاءات المباشرة التي تُشكّل الحوار في تفاعلاتنا الفعلية مع الآخرين. ومع ذلك، علينا أن نتذكّر أنّ الفنّ يربطنا أيضًا بالعالم المشترك لعلاقاتنا الشخصية والاجتماعية. أي: أنّ الكتب تُعلّمنا كيف نعيش، وبالنسبة للبشر، يُمكننا القول بأنّ فنّ العيش هو أيضًا فنّ الحوار. ومن ثَمَّ، في نقاش مكتوب مثل هذا، فالأمثلة الأدبية مفيدة بشكل خاصّ في توضيح كيفية عمل الحوار. يبدو الأمر كما لو أنّ حوار الفنّ هو في آنٍ واحد محاكاة ومعيار لفنّ الحوار.

ما هو الحوار (في الوقت الحالي)؟
ما هو إذن مفهومي للحوار؟ باختصار، هو عملية مفتوحة يفكّر فيها الناس معًا بشكل إبداعي، حيث يكتشف كلٌّ منهم ويقرّر كيفية الردّ عن طريق الاستماع إلى الآخر. الحوار مفتوح وذلك لأسبابٍ منها أنّ فسيفساء اللغة تمتدّ إلى الجسد الذي لا نعرفه تمامًا، مثلما أننا لا نعرف تمامًا الآخر الذي يخاطبنا. يفكّر المشاركون في الحوار بشكل إبداعي؛ لأنّ الهدف ليس إثبات وجهة نظر أو تحقيق انتصار فرديّ، بل إيجاد شيء جديد وذي قيمة عن طريق ما يدور بيننا أثناء التبادل بين الأشخاص. يكتشف كل مشارك ويقرّر ما سيقوله؛ لأنّ الطريق إلى الأمام غير مُحدّد، حتى مع تولي المشاركين زمام الأمور بأنفسهم، مسترشدين بما لديهم من معرفة مسبقة. كما يعتمد الحوار على الاستماع، الذي يتطلب كبح جماح الذات لإتاحة التواصل مع الآخر، وبدونه لا يمكن للحوار أن يبدأ. فالحوار إذًا هو استجابة للآخر مُمكنة بالاستماع.
تتناول الفصول التالية النقاط الرئيسة الواردة في هذه الملاحظات التمهيدية. يتناول الفصل الثاني فسيفساء اللغة المتجسدة، والتفاعل داخل اللغة بين الحفاظ على المعنى والانفتاح عليه. ويتناول الفصل الثالث أولوية الاستماع، والتفاعل بين المشاركة وسوء الفهم في عملية التفكير المشترك غير الكاملة، التي قد يُكتشف فيها شيء جديد. ويتناول الفصل الرابع حدود الحوار، والتحدّي الذي تُمثّله المأساة، الذي يُعجز اللغة عن وصفه. ويتناول الفصل الخامس المواجهة بين اتخاذ القرار والحيرة في التفاوض على طريق غير محدّد للمضي قدمًا من خلال عملية الحوار.
أما بالنسبة للكتاب ككلٍّ، فإنّ الريح التي تدعم أشرعته، كما بدأت بالقول، تهبّ من زمن بعيد. إحدى القناعات التي يحملها هي أنّ القيم المكتسبة بصبرٍ في التعليم الإنساني يجب أن تكون، على الأقلّ، ترياقًا للتجاوزات التي تُجرّد الإنسان من شخصيته في المناخ السائد في هذا العصر. وأخرى هي أنه من المفيد محاولة توضيح إمكانية اتباع نهج تشاركي، وغير أناني، في التعامل مع حياتنا الشخصية والاجتماعية، وهي إمكانية يمثّل الحوار رمزًا لها وبشارةً.


حسام عبدالله المجلي، أستاذ الأدب المقارن المساعد في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الملك سعود، خبرة ١٥ سنة في مجال التدريس والكتابة والتحرير وتقديم الدورات التدريبية. نشر أبحاث في مجلات علمية محكمة باللغتين العربية والإنجليزية. رئيس مركز التدريب اللغوي في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية عام ٢٠٢٣م. حاصل على شهادات احترافية في التدريس الجامعي والجودة. عضو محكم في مجالات علمية عربية ودولية.


ملاحظات
(1) روبرت ن. بيلاه، الدين في التطوّر البشري: من العصر الحجري القديم إلى العصر المحوري (كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة جامعة هارفارد، 2011)، ص 38.
Robert N. Bellah, Religion in Human Evolution. From the Paleolithic to the Axial Age (Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 2011), p. 38.
(2) روبرت هيلبرونر، رأسمالية القرن الحادي والعشرين (أونتاريو: مطبعة أنانسي، 1992)، ص 40، 43.
Robert Heilbroner, Twenty-First Century Capitalism (Ontario: Anansi Press, 1992), pp. 40, 43.
(٣) موقع Marketwatch.com، كوينتين فوتريل، 28 مايو 2019.
(٤) بشكل عام، يُقيّم مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة عبر مستويات كفاءة متعددة، مع الإشارة إلى فئات مختلفة من الناس، ويُقاس بمقاييس مختلفة.
تتوفر معلومات كثيرة، وقد تكون مربكة، لكن النتائج العامة متسقة اتساقًا ملحوظًا.
حسب ترتيب الاقتباس، مصادري هي كما يلي:
كريس هيدجز، إمبراطورية الوهم: نهاية معرفة القراءة والكتابة وانتصار المشهد (تورنتو: ألفريد ك. كنوبف، 2009)، ص 44؛
فاليري ستراوس، "الاختباء في النهار الواضح: أزمة معرفة القراءة والكتابة لدى البالغين"، صحيفة واشنطن بوست، 1 نوفمبر 2016؛
آرتي باتيل، "عندما يتعلق الأمر بارتفاع معدلات معرفة القراءة والكتابة والحساب، فإنّ كندا في مرتبة متأخرة في القائمة: تقرير"، هاف بوست 1 نوفمبر 2016، تم التحديث في 18 مايو 2017؛ "معدل معرفة القراءة والكتابة لدى البالغين – مهارات مستوى منخفض"، مجلس المؤتمر الكندي، 2013؛ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية)، 2012.
Chris Hedges, Empire of Illusion. The End of Literacy and the Triumph of Spectacle (Toronto: Alfred K. Knopf, 2009), p. 44; Valerie
Strauss, "Hiding in Plain Sight: The Adult Literacy Crisis", The Washington Post, November 1, 2016; Arti Patel, "When it Comes to High
Literacy, Numeracy Rates, Canada Is Low on the List: Report", HuffPost
November 1, 2016, updated, May 18, 2017; "Adult Literacy Rate - Low
level Skills", The Conference Board of Canada, 2013; Organization for
Economic Cooperation and Development (OECD), 2012.
(٥) ماريان وولف، أيها القارئ عدْ إلى المنزل: العقل القارئ في عالم رقمي (نيويورك: هاربر كولينز، 2018)، الصفحات 151، 152.
Maryanne Wolf, Reader Come Home: The Reading Brain in a Digital World (New York: Harper Collins, 2018), pp. 151, 152.
(٦) على شبكة HBO، الوقت الحقيقي مع بيل ماهر، الجمعة 10 مايو 2019.
(٧) لقد كتبت المزيد عن فكرة الشخص، على سبيل المثال في الشخصية وسياسة الثقافة (لندن: ماكميلان، 1996).
(٨) ميرلين دونالد، أصول العقل الحديث. ثلاث مراحل في تطوّر الثقافة والإدراك (كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة جامعة هارفارد، 1991). سأتناول هذا الكتاب بمزيد من التفصيل في الفصل الثاني.
Merlin Donald, Origins of the Modern Mind. Three Stages in the Evolution of Culture and Cognition (Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 1991).
(٩) انظر، على سبيل المثال، الشفهية ومعرفة القراءة والكتابة: تكنولوجيا الكلمة. الطبعة الثانية. (نيويورك: روتليدج، 2002).
Orality and Literacy: The Technologizing of the Word.

2nd ed. (New York: Routledge, 2002).

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page