top of page

حرية عارية

هدى الرابحي


كانت أنغام الموسيقى تتهادى في أرجاء مسكنه ،وتنساب بين جدرانه انسياب الماء في الجداول، وتنبعث من طوايا الحيطان وتتسرب من خلال النوافذ والفتحات، كأنها أرواح سعيدة تحوم في الفضاء، أو طيور مغردة تمشي في ممرات البيت لتملأ جنباته أنسًا وبهاءً. كانت تلك أنغام أغنية عربية شجية، صبَّها في أذنيه أحد خلانهفي يوم سلف. ما إن ولجت سمعه حتى سكنت سويداء قلبه، وعششت في خلايا عقله، حتى باتت ديدنه و لم تفارقه خيالاتها منذ ذلك اليوم، ولم تغب عنه ألحانها.
وقتها،كانقائمًا في مطبخه الصغير، يزجي الوقت بإعداد طعام يقيم به أوده.ألقى بحفنة من شظايا البطاطس في جوف مرجل يغلي بالزيت، ثم ارتد إلى الوراء ذعِرًا مشفقًا من أن تناله شواظ النار أو يمسه رذاذ ذلك الزيت المتوهج. أدار طرفه نحو الساعة المعلقة على الحائط، فرأى عقاربها تشير إلى الثالثة بعد الزوال– وقت يغمر فيه الصمت الكون، وتستكين فيه النفوس صبابةً وراحة.
لم يكن يحول بينه وبين الانغماس الكامل في تلك الغيبوبة الموسيقية الفذة والاستغراق في بحار ذلك الطرب الرخيم، حائل؛ حتى قطع عليه خلوته تلك صوت رنين الهاتف.انتبه من رقدته الذهنية كما ينتبه الحالم، وهرع نحو الجهاز مدفوعًا بفضول طفولي، فإذا به يرى على الشاشة رقمًا مجهولًا لا عهد لعينيه به. رفعه إلى أذنه وهو يبتسم ابتسامة وادعة، ولم يكن يعلم أن تلك الابتسامة هي آخر عهده بالبشر وبالمسرة.
ما هي إلا لمحة عين، حتى انقبضت أسارير وجهه، واستحالت تلك الابتسامة المشرقة عبوسًا قاتمًا.انكسر البِشْر على محياه كما ينكسر لوح الزجاج الصقيل تحت وطأة الصخر الأصم، فيتحطم شظايا جافة، جارحة، تدمي العيون والقلوب. كأنما انبعثت من سماعة الهاتف رصاصة طائشة أصابت شغاف قلبه، أو صاعقة من صواعق السماء هبطت لتجتث كينونته من جذورها. ويشهَدُ الله العلي القدير أن تلك اللحظة ستبقى محفورة في ألواح ذاكرته، ثابتة في حنايا صدره، كما تحفر المعاول القبور في جوف الثرى؛ عميقة، مظلمة، لا يمحوها كر الغداة ولا مر العشي، إذ كانت هي المنعطف الأعظم الذي انشطرت عنده حياته إلى نصفين؛ نصف مضى ونصف تبدد.
كان الهاتف يحمل صوت رجل مجهول، نبراته باردة كجليد الشتاء، وعرة كمسالك الجبال. وكانت الجملة الأولى التي قذف بها في وجه الفتى المسكين هي أقسى وأفجع ما يمكن أن تتلقاه أذن امرءٍ في هذه الحياة الفانية؛ إذ قال: "ألو.. أأنت ابن فلان؟ يعز علينا، ويؤسفنا جِدَّ الأسف، أن ننعى إليك والديك وأخاك؛ فقد هوت السيّارة التي كانت تقلّهم من أعالي الجرف السحيق، وفاضت أرواح مجمل الركاب إلى بارئها. فالمرجو منك الحضور عاجلًا غير آجل إلى المستشفى الإقليمي، مصحوبًا بوليّ أمرك، إن كان سنّك لم يبلغ بعدُ الثامنة عشرة".
آهٍ.. وأيُّ وليّ أمرٍ يتحدث عنه هذا الضابط ؟! وأيُّ كفيل يبتغيه هذا القدر الغاشم؟! لقد فقد الصبيُّ في تلك اللحظة الوجيزة أبويه، وفقد معهما دُنياه بأسرها، وعالمه المحيط به، وهوى سقف بيته فوق رأسه ليصبح بلا سماء وبلا أرض. أيُّ رزيةٍ هذه التي نزلت بساحته؟ وأيُّ فاجعة دهت قلبه الغرير؟ لم يدرِ الفتى ما الذي أصابه، ولا ما الذي حلَّ بأركانه؛ فشعر بقلبه يخفق خفقانًا مجنونًا كأنه طائر ذبيح ينتفض في قفصه. تزلزلت الأرض تحت قدميه حتى لم تعد قدماه القلقتان تقويان على حمل جسده الواهن، فترنح يمنة ويسرة، واستشعر خلفه برحمة من الله مقعدًا خشبيًا، فانهار فوقه كما ينهار البناء المتداعي.
وفي تلك اللحظة بالذات، وسط ركام الحزن والرماد، لمعت في ذهنه بارقة غريبة؛ شعر أنّه الآن.. الآن فحسب، قد غدا حرًّا طليقًا! نعم، لقد تيقن أنه لم يعد يملك شيئًا، ومن لا يملك شيئًا لا يخشى فقدان شيء. إنَّ الحُبَّ في شرعة هذه الحياة هو عين العبودية، وهو منبع العذاب والشقاء؛ فمن أحبَّ عانى، ومن علق قلبه ببشرٍ ذاق مرارة الخوف والترقب. والآن، بعد أن مات كلُّ من كان يحبهم في هذه البسيطة، وتبدد شملهم، علم أنه لن تصيبه بعد اليوم معاناة أشد من هذه، ولن تطرق الرزايا بابه، ولن تفجع الأيام قلبه، لأنه لم يعد في فؤاده موضعٌ ليدخله أحد فيؤذيه أو يرحل عنه فيبكيه. لقد تخرّق حجاب الخوف، وأصبح حرًّا ليكون أيّ شخص يبتغيه، حرًّا ليعود إلى ذاته الأولى، عاريًا من الروابط والقيود والأغلال التي تكبل بني البشر.
انتفض من مجلسه كالمصعوق، وغادر منزله هائمًا على وجهه، لا يواري جسده النحيل سوى سروال قصير، ولم يعرج على رداءٍ يقيه لافح الشمس في هجير النهار، أو يدفع عنه صرد البرد في غياهب الليل المقترب بلا ريب. ترك المنزل وراء ظهره، وترك الزيت يلتهم البطاطس ويحرقها، غير حافل بنار أو دمار. خرج إلى الفضاء الرحب ولم يذهب ليبحث عن وصيّ أو وليّ أمر؛ فقد شعر في أعماقه أنه بات هو السيّد الأوحد لنفسه، والمالك المطلق لزمام حياته، والمسير الوحيد لخطواته.
مضى يمشي.. ويمشي. يطوي القفار ويسلك الفجاج، لعامٍ، أو لعامين، لثلاثة أعوام، حتى اختلط عليه الحساب، وضلت عنه الأرقام، وتلاشت في عينه الأيام والشهور. مشى فوق أديم الأرض يذرعها بجسده العاري وروحه الطليقة، فكان بحق أكثر رجال هذه الأرض حريةً وانعتاقًا؛ إذ لم يكن في حوزته قيراط واحد يخشى ضياعه، ولا حبيب يخاف فراقه. لقد تجرد من طين الأرض وأهوائها، وأصبح حرًّا.. حرًّا من كل شيء، كالهواء الذي ينساب في الفضاء، لا يمسكه أحد، ولا يستقر في مكان.


هدى الرابحي هي شاعرة وكاتبة مغربية من مدينة مكناس، حاصلة على إجازة في علوم التربية، تكتب باللغتين العربية والإنجليزية .تنشغل نصوصها بموضوعات الحنين والذاكرة والهوية والصمت وتقلبات الزمن، وتميل إلى توظيف الصورة الشعرية واللغة الوجدانية لبناء عالم شعري يجمع بين التأمل والبوح. يمكن متابعة حسابها على منصة إكس @rabhihuda

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page