قانون اللطف الإجباري
فهد الرباح
أسميتها في نفسي "تجربة البحث عن البطيخة المثالية." كان حجي خالد يطرق بيده على البطيخة باحثًا عن صدى الخواء، الذي كان يعني تلفها. رأيته يفعل ذلك مئات المرات مع أغلب أهل المنطقة. كانوا يثقون في حدسه الذي كان يحاول دائمًا تدعيمه بخبرات وتجارب سابقة ناجحة. لم يكن أغلب المتسوقين يولونه اهتمامًا يُذكر، لولا غلاف المجاملة الذي يمنحه لهم كبر سنه، باستثناء أم أحمد، التي كانت تبالغ في ردود فعلها حتى لتظن أنها السبب الرئيسي في تشجيعه. كانت تشكره مرارًا، ولا تتوقف إلا عندما تدفعها خادمتها بكرسيها المتحرك إلى قسم القهوة المقابل للخضروات، حيث تبدأ تجربة اجتماعية جديدة مع البائع، لا تخلو كعادتها من ابتسامة ودهشة.
رغم صعوبة خروجها اليومي إلى الجمعية التعاونية*، كانت زيارتها تضفي على المكان دفئًا خاصًّا. تمازح البائعين، وتختلق الأحاديث مع كل من تقع عيناها عليه. صدى ابتسامتها كان كافيًا ليحوّل صباحًا مملًّا إلى صباح من نوع آخر. كانت الجمعية في حضورها، تبدو كأنها مكانٌ حي يتنفس بهدوء تحت ظل ابتسامتها. وكان بعض الزوار والعاملين في الجمعية يتعمدون المرور قربها فقط ليلقوا عليها التحية أو يسمعوا ضحكاتها القصيرة، تلك التي كانت تترك في الأرجاء أثرًا يشبه العطر، يخفف من صخب المكان ويمنحه أجواءً بيتية.
أتذكّر أنني رأيتها أكثر من مرة عند مدخل الجمعية مع خادمتها التي تدفع كرسيَّها المتحرك. كنت أبطئ خطواتي حتى أتيح لهما المرور أولًا، أو أزيح العربة التي تعيق الطريق أمامهما. كانت ترفع رأسها نحوي بابتسامة قصيرة تحمل أكثر مما تقول. كان في تلك النظرة امتنانٌ خافتٌ يُشعرك وكأنك أنجزت أمرًا كبيرًا رغم بساطته.
حين رأيتها اليوم تتبادل أطراف الحديث مع بائع القهوة، اختبأت خلف أحد الرفوف. لم أكن أرغب في الحديث معها أو مع أحد. كنت متأخرًا عن محاضرتي الأولى في الجامعة، وكل ما أردته هو إنهاء المشتريات بسرعة. لم أدرك أن تلك النظرة المختلسة ستكون المرة الأخيرة التي أرى فيها ابتسامتها لمدة طويلة. فلقد توفي ولدها في تلك الليلة القاسية. ومنذ ذلك اليوم، اختفت أم أحمد عن الجمعية. كنت أسأل عنها يوميًّا، فتجيب أمي أنَّ صحتها الجسدية والنفسية ليست على ما يرام إطلاقًا.
عندما توفي زوجها قبل عامين كانت، كما تقول أمي، صابرة ومتماسكة، ولكن فقدان الولد، الذي يظل في نظر أمه شابًّا مهما بلغ من العمر، أمر يصعب احتماله. كانت حالتها هذه المرة مختلفة تمامًا، لم أرها يومًا بهذه الهشاشة والوجوم. وقد عرفت ذلك لأني كنت أراها من نافذتي المطلة على حوش منزلهم الهادئ؛ كانت تجلس هناك ساعات طويلة، لا تتحدث مع أيٍّ ممّن يحاول اختطاف محادثة عابرة معها من أحفادها أو بناتها.
لم أذهب إلى الجمعية التعاونية منذ مدة، ولما زرتها صباحًا في أحد الأيام كان المكان باهتًا وباردًا. غابت الحيوية التي كانت تملأ الأركان. بدا حجي خالد شاحبًا، وترك ركنه المعتاد بجانب البطيخ، كأنه يبحث عن زاويةٍ يختبئ فيها. أدركت حينها أنني كنت أزور الجمعية لا لشراء الحاجات، بل لاستنشاق شيءٍ من حضور أم أحمد، التي يبدو أنها كانت كفيلة بأن تجعلني أبتسم دون إرادة مني، ولو لمرة واحدة. والدليل الحتمي على هذه الفرضية أنني اكتشفت بعد مدة أن غيابي عن الجمعية لم يفرق معي البتة، وأنّ كلَّ ما كنت أشتريه كانت أشياء تافهة لا معنى لها.
في اليوم السبعين على وفاة ابنها، وبينما كنت عائدًا من صلاة العشاء، رأيتها جالسة على كرسيها المتحرك، ولأول مرة خارج منزلهم. لم أستطع أن أكمل الطريق الذي بدا فجأة طويلًا. توقفت عند فكرة مباغتة جعلتني أبتسم ابتسامة صغيرة، ثم أنعطف يسارًا عن مساري إلى البيت متجهًا نحو الجمعية التعاونية. كانت الفكرة بسيطة: أن أشتري بطيخة لأم أحمد. عند وصولي إلى الجمعية، طلبت من حجي خالد أن يختار بطريقته المعتادة أفضل بطيخة عنده. لم يكن متفاعلًا في البداية، ولكن عندما علم أن البطيخة لأم أحمد، وأنها أخيرًا خرجت من المنزل، تغير كلُّ شيء. ذهب إلى المخزن ليأتي ببطيخة، وكنت أسمع طرقاته الحماسية هناك وهو يفحص البطيخ. وبعد دقائق عاد وهو يحمل بطيخة ويقول بثقة إنها الأفضل. ابتسمت مؤيدًا تحليلاته بحماسة، وطلب مني أن أوصل سلامه إلى أم أحمد.
عند وصولي قريبًا من منزلهم، حاملًا البطيخة، رأيتها عن قرب، ولأول مرة منذ ذلك اليوم في الجمعية. لم أكن بحاجة إلى دليل أكثر من مجرد رؤية عينيها لأرى الخواء في داخلهما. وجهها شاحب، وكانت تتابع حركة المارة بعينين زائغتين كمن يحاول تذكّر ملامح العالم. عندما رأتني حاملًا البطيخة، بدا وكأنها تحاول الابتسام دون جدوى. حييتها وأخبرتها بأنني جلبت البطيخة لها، مؤكدًا أن حجي خالد قد اختارها بطريقته المعتادة. شرحت لي أنها في الحقيقة لا تذكر آخر مرة اختار لها حجي خالد بطيخة جيدة، ولكنها أصرت أن أبقى لأشاركها التجربة. كانت الخادمة في تلك الأثناء تقترب، والدهشة من أنَّ أم أحمد تتحدث مع أحدٍ ما، بادية على ملامحها. أمرتها أن تجلب لي كرسيًّا، وأن تقطع البطيخة لنا.
خلال انتظار وصول البطيخة المقطعة، تحدثنا كثيرًا. سألتني عن الجامعة، وأجبتها بحماسة، مسترسلًا في الحديث عن مواقف طريفة حدثت معي خلال الأيام القليلة الماضية. لم تبتسم، لكنني كنت أعلم من عينيها أنها على الأقل استمتعت بهذا الحديث معي. بدا أنّ الحوار، الذي كان في الغالب من طرف واحد، ترفيه لها. ولقد رأيت أن هذا اللطف الصادر مني كان واجبًا أخلاقيًّا تجاهها. وربما يجب أن يكون قانونًا أيضاً. لا أعلم بعد ماذا يمكن أن يكون اسمه، لكنه يجب أن يتميز بأن يكون عفويًّا وغير مباشر، لأن كبار السن حساسون جدًّا. فكرت بذلك وأنا أرى الخادمة تقترب وهي تحمل البطيخة مقطعة بلونها الأحمر القاني. تناولنا أنا وأم أحمد القطع معًا. يمكنني الجزم بأنها كانت ألذ بطيخة أكلت منها في حياتي. انتظرت بكل بلهفة ردة فعل أم أحمد، وحين تذوقتها ابتسمت، ولأول مرة منذ جلسنا هذه الجلسة، ثم قالت:
لذيذة جداً يا محمد!
ومع تلك الابتسامة، أحسست أنني أنجزت المهمة. لذلك هممت بالنهوض مودعًا إياها. أوصتني بأن أواصل زيارتها فأجبتها مؤكدًا بما يشبه عهدًا خفيًّا، واجب التنفيذ.
في صباح اليوم التالي، وبينما كنت أتهيأ للذهاب إلى الجامعة، لمحتهما من نافذتي: أم أحمد على كرسيها المتحرّك، تدفعها خادمتها نحو السيارة. توقفت لحظة أراقبهما، ثم استعجلت في الخروج. تملكني الفضول أكثر فتبعتهم بسيارتي. وحين تأكدت من أنهم متجهون إلى الجمعية، ابتسمت وأنا أمضي في الطريق ذاته، كأن شيئًا خفيًّا يسوقني إلى هناك. لم تكن بي حاجة إلى شراء شيء، لكنني التزمت طوعًا بذلك الواجب الأخلاقي الذي لا يُجادَل. وعند دخولي إلى الجمعية التعاونية، أعتقد أنني لمحت أم أحمد تبتسم، وفي تلك اللحظة بالذات خطر في بالي الاسم المناسب لذلك الواجب الأخلاقي، إنه قانون "اللطف الإجباري تجاه كبار السن".
فهد الرباح كاتب من الكويت، حائز على المركز الأول في مسابقة "قصص على الهواء"الخاصة بمجلة العربي لعدد أكتوبر من عام ٢٠٢٣، كما نشرت له مجموعة قصصية بعنوان: «وهج الصِّبا» لمنشورات جدل في عام٢٠٢٥.يمكن متابعة حسابه على منصة اكس @f_alrabah92