top of page

المدينة الهادئة

ولاء تكروني


لا أعرف في أي مرحلة من حياتي أدركت أنني أكره الأصوات، أو بشكل أدق مدى حساسيتي المفرطة تجاهها. كانت حجرتي وأخي الذي يصغرني بأربع أعوام تقع في موضع يجعل استيلاء الضجيج عليها أمرًا حتميًا لذا لم أكبر وأنا أسمع زقزقة العصافير أو الصمت الليلي الطويل.

ففي الليل يُشغل جارنا العجوز في البناية المجاورة القناة الإخبارية بصوت عالٍ كما لو أنه يتعمد تعذيبنا بالإنصات لذات الخبر مكرراً من زوايا مختلفة وعلى ألسنة عدة مراسلين. أخي يقول إن الصوت بعيد وهذا صحيح إلا أن ذلك لم يمنعه من التسلل إلى أحلامي، لأجد في إحداها دونالد ترامب يملي علينا تعليمات الاختبار النصفي.

كرهت ذلك الجار العجوز وأخجل من أن أعترف بأنه في تلك الليلة الوحيدة التي غاب فيها صوت التلفاز تمنيت بصدق أن الرجل توفي لكن يبدو أن النوم استولى عليه فقد استأنف عادته في الليلة التالية، وهو بصدق- أعني جارنا العجوز- ليس مصدر الإزعاج الوحيد بل ربما أمقته لكونه العائق الدائم بيني وبين نصيب قليل من الصمت كنت أتمناه وأشعر به ترفًا لا أستطيع أن أطالب به.

فمن جهة أخرى يوجد ناصية الشارع حيث تمر السيارات بوتيرة لا يمكن التنبؤ بها ، سيارات صغيرة يطلق سائقوها الأبواق من باب الترفيه وأخرى كبيرة يكاد مرورها يجعل الشارع بأكمله يميل، ناهيك عن أعمال الشوارع و أصوات الأطفال الصغار في لعبهم والبالغين الذين يقررون الهُتاف عوضًا عن استخدام الهواتف. ولفترة كان جارنا وزوجته في الطابق العلوي مساهمين شبه منتظمين في جوقة الضجيج ، إذ كانت شجاراتهما المحتدمة تبلغ حدًا مرعبًا، إلا أن ذلك لم يدم طويلًا فما لبث أن وجدناه يجرها في ليلة إلى الشارع مهددًا بقتلها ، فاتصلنا بالشرطة. تقول أمي أنها تطلقت منه ورأيت ذلك من حسن حظنا جميعًا .

منزلنا أيضًا ليس بريئًا من افتعال الضجيج خاصة بعد عودة إخوتي وأمي من الدوامات حيث يبدأ الشجار حيال كل شيء وتصبح الحوارات بين الجميع محكومة بقانون خفي يمنعها من أن تنحدر تحت 80 ديسيبل في مؤشرات الصوت والضوضاء.

أذكر أنني حين كنت في الكلية كان ثمة فناء خلفي خاوٍ يمنع الدخول إليه لكنني كنت أفعل من فترة لأخرى، إذ كان جنةً من صمتٍ جميل وحتى أصوات الطيور والأشجار فيه تبدو كما لو أنها تؤثث ذلك الصمت دون أن تفضه أو تعتدي عليه، سيمر وقتٌ طويل قبل أن أجرب صمتًا مماثلًا.

إذ بمجرد أن تخرجت وجدت نفسي عاجزًا عن التأقلم مجددًا مع الضجيج الأبدي دون ملجأ أو مستراح مؤقت، اشتريت سماعات عازلة كحل بديل لأُشغل ضجيجًا من اختياري لكن آلام الأذن نالت مني وبعد التهاب شديد تنازلت عنها.

كل هذه المعاناة من جهتي لم تكن شيئاً بالمقابل عند أخي كأننا نعيش في واقعين منفصلين، حيث في نسخته لا تعني الأصوات شيئًا إذ كان يرجع من تمارين الكرة ويرتمي على السرير هامدًا إلى اليوم التالي. لا اذكر انه أبدى انزعاجه إلا مرة واحدة حين أيقظنا شجار عنيف للزوجين في الطابق العلوي، ولم يفعل شيئًا سوى أن همس: " الله يأخذهم" وغطى رأسه بالوسادة ونام مجددًا.
لا تنحصر الفروقات بيني وبين أخي في هذا النطاق بالتحديد بل تمتد لما هو أعمق من ذلك … علاقتنا بالحياة ونظرتنا إليها.

فمن زاوية ثمة أخي المنفتح بكل حواسه عليها ويريد أن يجرب كل شعور تهبه إياه وفي المقابل ثمة أنا. قد يبدو من التحيز أن أقول بأنني أفهم الحياة بشكل أفضل لكنني أثق بأنني أفعل إذ أرى الحياة في معظم أحوالها تشكيلة متنوعة من الضجيج كأن كل الحواس تختزل في حاسة السمع بالنسبة لي، فالروائح الثقيلة تشبه أعمال الشوارع والروائح الحادة تشبه بكاء الأطفال والشتائم تشبه أصوات المرحاض. كل شيء يشبه الضجيج بالنسبة لي حتى بعض الاشخاص.

لكن أخي لا يشبه إلا تلك الأصوات التي تؤثث الصمت دون أن تعتدي عليه، أصوات الشجر والعصافير وكل الأصوات التي لا يتاح لي أن أسمعها هنا ، فبالنسبة لشخص منفتح واجتماعي مثله هو هادئ جدًا فيما معظم الناس حولنا وأعني أصدقاءه وأختيّ الصغيرتين ثرثارين كمحطة راديو معطلة.

في وقت مبكر من طفولتنا أدركت أنه المفضل لدى الجميع، أقاربنا وصديقات أمي اللواتي تضحكهن ردوده ووالداي اللذان يجدان التعامل معه أسهل. لا اذكر أن ذلك أزعجني إذ كنت أفضله على الجميع بدوري أيضًا ، فصاحبات أمي كن يزعجنني لأنهن يتكلمن جميعًا في ذات الوقت ولا أعتقد أن أيًا منهن أتت الزيارة لتسمع الأخرى. الجميع حضر ليتحدث لا شك لدي في ذلك.

أما أمي وأبي فكانوا بالنسبة لي يشبهون الصوت الحاد والمتسارع لتلك الاغنية التي تخرجها ألعاب المسدسات والسيارات البلاستيكية القديمة حين ينطلق مدويًا " أمنيييه ، أمنيييه " من كل ألعاب أطفال العائلة على نحو يصيبني بالدوار.

لقد شكل الرعد والأعاب النارية وتلك الأغنية أسوأ ما في طفولتي. لا زلت أجهل إلى الآن ماهي كلمات الأغنية الأصلية لكنني أدرك يقينًا أن عيوب التصنيع لعبت دورًا في تسريع الإيقاع لذلك المستوى القبيح.

بالمجمل كانت حياتنا بشكل عام وحياتي بشكل خاص رتيبة واعتيادية كدقات عقارب الساعة ولكن منبه التغيير رن فجأة حين بلغنا خبر قبول أخي للانضمام في جامعة في مدينة طرفية إضافة إلى عقد تطويري من ناديها المحلي مما يشكل له فرصة للاحتراف مستقبلًا. فرحنا بذلك كثيرًا. دعا والداي العديد من الأهل والأصدقاء لوليمة واستمر تدفق التهاني والهدايا لفترة طويلة لكن حين هدأ كل ذلك استوعب والداي أن عليهما أن يرسلا ابنهما المفضل لمدينة نائية لم نعرف أن بها جامعة إلا بعد أن تم قبوله فيها ولها مطار لكنه ضيق، ولم أستبعد وقتها أنه يتسع لطائرة واحدة فقط تحلق لتنزل مكانها أخرى .

لكني كنت مخطئًا فحين انتهى أمي وأبي لترشيحي لمرافقته نظرًا لكوني تخرجت وسعيي لإيجاد وظيفة لم يكن مثمرًا، هبطنا في المطار وكان منظمًا ومتوسط الحجم.

أخذنا قهوتنا ثم أومأت له برأسي جهة سيارات الأجرة. كانت كل زوايا المدينة تقدم وعدًا بالهدوء وكان ذلك ألذ ترحيب على نفسي. استأجرنا شقة مفروشة في الطابق الثالث من بناية لا يميزها شيء كسائر ملامح تلك المدينة وكانت ايضًا تقدم ذات الوعد بالهدوء التام والسكينة حتى أني لم ألحظ العطل التام في كهرباء المرحاض ليصر اخي على تبديل الشقة رغم وعد الموظف بإصلاحه خلال يومين. كنت في مزاج يتيح لي القبول بذلك لو تُرك الأمر لي إذ لم يكن شيء يزعجني ، لكننا انتقلنا للطابق الثاني، ثم خلدنا إلى النوم وكانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أنام متلحفًا صمتًا مثل هذا .

تتالت الأيام على نحو جيد. يغادر أخي صباحًا للجامعة فيما أصحو قبيل الظهر واستمتع بصمتٍ طويل، أسمع فيه أصوات العصافير بوضوح واكتشفت أن الحَمَامَ له صوتٌ أيضًا… لم أكن أعرف ذلك.

يعود أخي ونتناول الغداء معًا ليوافيني بنشرة الأنباء في يومه ثم يغفو استعدادًا لتمارينه التي تبدأ بعد العصر ويرجع بعد صلاة العشاء. بعد أيام قليلة قررت أن أمشي في الحي لأنتهي باكتشاف بقعة بدت لي وقتها كأجمل مكان في هذا العالم. جسر مشاة يمتد بين شارعين تمر من تحته المركبات كنهر من أضواء متسارعة تزداد سطوعًا كلما خفتت أنوار الغروب، وكانت المركبات تمضي بوتيرة هادئة وقلما يستخدم أحد الأبواق إذ الشارع خاوٍ وواسع. أذكر أن ذلك حدث بعد أسابيع من جولاتي اليومية وكان السائق يكاد يصطدم بالفعل بشاحنة خرج صاحبها عن المسار نائمًا على ما يبدو.

بعد بضع أشهر قررت أن أرسم كل الكائنات التي تؤثث الصمت بالنسبة لي، حتى إذا عدت لمنزلنا - وهذا أمر أفتقر الحماس إليه - أستطيع تذكر صوتها، فرسمت الكثير من عصافير الدوري والحمامات السمينة وألوانًا من القطط الكسولة وعديمة الشغف، وأيضًا رسمت أخي.


سرعان ما أصبحت أيامي مطابقة لبعضها ولا أعرف أن الاسبوع انتهى إلا من يوم الجمعة إذ يمكث أخي في المنزل ونذهب للصلاة وقد نتنزه أو نزور مقهى في المساء وهذا كل شيء. لم أكن أركز على بقية الأيام أبدًا ولذلك حين جاء ذلك اليوم لم أعرف له اسمًا على الإطلاق.

كنت عائدًا من جولة المشي اليومية وقد استعجل الغروب فأظلمت السماء. كل شيء بدا على حاله. كنت أفكر في المرور بالصيدلية لشراء مسكن آخر لأخي الذي تغيب عن تمرينه بسبب حُمى لكني تكاسلت وأكملت طريق العودة. كنت كلما اقتربت لفني خيط من رائحة غريبة وأكثر غرابة منها تزايد أعداد الناس في الشارع ، سارعت الخطى نحو بنايتنا لأجد أضعاف الناس حولها متجمهرين في مشهد تضخم لينفجر كل شيء دفعة واحدة، رائحة الدخان و الطابق الذي تندلع من نوافذه ألسنة اللهب، هتافات و أصوات نداءات انطفئت لتصبح صوتًا واحدًا في عتمة الفزع … أخي.

لا أدري كيف انطوت المسافة بيني وبين الموظف الذي شددته من قميصه وقلت "غرفة ٢٠ الدور الثاني" رد برعب على رعبه: "لا يوجد أحد نادينا ولم يجب أحد." بردت أطرافي في ذلك القيض وصرخت "ما سمعك." حاول أن يمسك بي فنفضت يده عني وانطلقت للداخل ولعل رجل آخر حاول منعي ولا أذكر إن كنت دفعته أو ضربته لكنني كنت في بهو البناية التي استولى عليها دخان ثقيل وحرارة خانقة. تلمست طريقي عبر السلالم نحو الطابق الأول وكنت أرى وهج النار في الطابق الثاني.

لكنني بقيت أفكر في أخي، في وجع أمي وأبي، في مصيبتنا وفاجعتنا جميعًا. لم أكن أرى ولا أدري ماذا يعتم الرؤيا الدخان أم دموعي. كنت أصرخ باسمه وأحاول أن أحدد ناحية حجرتنا إذ كل الجهات انصهرت كجهة واحدة تستنسخ نفسها. صرخت.. وصرخت حتى لم أعد أعرف صوتي.

وفي منتصف السلالم إلى الطابق الثاني سمعت صوت أنين خافت من الأسفل فهبطت السلالم مسرعا للطابق الأول مجددا حتى زلقت قدمي، لكنني رأيته وبدى أنه سقط إلى الطابق الأول ولازالت النار مشتعلة في إحدى ساقيه. خلعت قميصي وأطفأتها بضربات سريعة، أسندت رأسه إلى صدري وطوقت جذعه لأسحبه إلى المخرج وفي ذلك الدخان الكثيف ما دلني عليه إلا ضجيج الناس وصافرات الإطفاء.

حين اقتربنا من المخرج أخذه المسعفون على الفور وكل شيء كان متسارعًا، حتى إني تجمدت مشدوهًا حين أرغمني أحدهم على وضع قناع الأوكسجين في سيارة الإسعاف التي تنقلنا لأقول حانقًا "هو المريض".

ومضى ما شعرت أنه ساعات من استنفار الطاقم الطبي دخولًا وخروجًا من غرفته، إلى أن هدأت حركتهم بعد مدة وأقبل الطبيب نحوي، طلبت منه أن يتحدث مع أبي الذي ظل يتصل بي وأنا أرفض لعجزي عن سماع صوته وعن الكلام، لأرسل له أخيرًا " كلنا بخير، إذا خرج الدكتور أكلمك " وأرسل لي بدوره أنهم في الطريق.

وفي الممر الأبيض الخاوي كفجوة في الزمن سمعت الطبيب يقول لأبي إنه أصيب بكسور في فقرات الظهر والأضلاع الخلفية وأنه فقد الوعي نتيجة لارتجاج في الدماغ لكن حالته استقرت حاليا وأن الحروق على عمقها قابلة للاستشفاء، وشعرت بآخر نزر من قوتي ينسحب مني حين سأله أبي إن كان سيتمكن من العودة للعب قريبا فأجابه بأن الإصابة بليغة وأنهم بانتظار النتائج للتأكد من كونه سيستطيع المشي مجددًا.

تركت هاتفي معه ومشيت وبدى الممر أطول مما احتمل وحين تباعدت البوابات الزجاجية أمامي كانت عيناي غاصتين بالدموع و كان الفجر يتنفس على مشارف المدينة بعد تلك الليلة الطويلة ، فجرٌ في غاية الهدوء والتأني تمر فيه المركبات على الطريق السريع في سكينة مسالمة. كل شيء في أتم السكون كأن المدينة لم تسمع او لا تبالي بما جرى البارحة وكأنها تضحي بكل الأصوات على مذبح صمت زائف وهمي ومستهتر كذلك الموظف الذي استثقل إصلاح جرس الإنذار ليفقد أخي حلمه مُقابل ذلك. كانت المدينة هادئة،وكرهت تلك المدينة.

ولاء تكروني طبيبة، شاعرة وروائية سعودية، صدرت لها روايتان وعدة قصص قصيرة منها "غرفة تخص البؤس وحده" المختارة ضمن جائزة "أدب العزلة" لهيئة الأدب والنشر والترجمة بوزارة الثقافة ، ولها عدد من المشاركات الشعرية في الأمسيات الثقافية والمنصات الرقمية. يمكن متابعة حسابها على انستغرام @walaatakr

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page