محطة القطار
محمد عبدالله الدقيقي
صرير القضبان الحديدية يدوي في الأفق. على أثره تهتز جنبات المحطة معلنة عن القادم – أو المغادر.يقف الرجل على أطراف الرصيف والترقب يخيم عليه. دخان سيجارته يعلو في السماء بينما يختلس نظرة إلى ساعة يده؛ إنها الخامسة والنصف، وقطارهم لم يلح في المكان حتى هذه اللحظة.
التفت خلفه، حيث الكراسي الخرسانية التي تعذب الجسد، وتجعل الاقتراب من هشاشة العظام أو تقوس الظهر أمراً سريعاً. هناك تجلس زوجته وطفلاه الاثنان على الكرسي الضيق، متلاحمين تلاحم الأجساد في الملاحم الإغريقية. تتقابل عينا الزوجين لثانية أو لأكثر، فتبتسم له مطمئنة.
ثوانٍ أخرى، وتعود الزوجة إلى ما كانت تفعله سابقاً؛ إلى مداولة الشطائر الصباحية للطفلين –تلك التي أعدوها قبل مجيئهم إلى المحطة– فتعطي الفتى شطيرة الجبن التي يحبها ويدمنها، حتى يُخيّل للأب أحياناً كثيرة أن شركة الألبان ستفلس إن اكتشف الابن الاختراع المسمى "البرجر"، بينما ابنته – كالعادة – تتناول شطيرة الفول بشراهة.
ينظر إلى القضبان الحديدية أمامه؛ على الرصيف المقابل قطار وصل تواً. غريب هذا؛ إنها المرة الأولى التي يلاحظ فيها ذلك القطار على الرغم من تكرر زيارتهم الشهرية إلى المحطة. تدب الحركة في المكان، وسرعان ما يغادر الركاب العربات المختلفة، كلٌ في طريقه. وها هو البائع المتجول ينسل بهدوء من أحد الأبواب المقابلة للرجل، حاملاً فوق رأسه حمولته من مختلف الأصناف التي يعشقها الأطفال، أو "التسالي" كما يحب أن يطلق عليها الكبار، تلك التي ستساعدك حتماً إن أردت أن تصاب بالسكري في أسرع وقت ممكن.
ينظر البائع يميناً ويساراً إلى القضبان، متأكداً من عدم حضور قطار آخر، وريثما يتأكد من أن "السكة أمان"، يغادر مكانه على عجل. يضع حمولته على الرصيف، فيمد له الرجل يداً للمساعدة ولكنه يشكره بإيماءة من رأسه. بخفة ورشاقة الدولفين يقفز على الرصيف، وما هي إلا لحظات حتى يكون واقفاً مستقيماً بجانب الرجل حاملاً بضاعته.
"تسالي؟"
يسأله البائع بميكانيكية، وعلى وجهه الأبنوسي ابتسامة بسيطة. يفكر الرجل للحظات، ويقوم بإجراءات حسابية معقدة من تلك التي تقام في البنوك السويسرية، قبل أن يمد يده إلى جيب قميصه باستسلام، متلقياً من الرجل ثلاث قطع من الحلوى، لتكون رفيقاتهم في الرحلة القادمة.
تلتقط زوجته الحلوى بعينيها العسليتين، تتظاهر بانشغالها بتعديل وضع الحقائب، أو بنهر الأولاد كي يأكلوا طعامهم بطريقة حضارية، بينما تخفي ابتسامة طفولية على وجهها البشوش. يتحرك هو صوبهم، يلقي بعقب سيجارته جانباً، ويمد يده إلى الزوجة بالحلوى، فتتلقاها بابتسامتها العذبة شاكرة بلا كلمات، وتوزع قطع الحلوى بالتساوي على الأولاد، ثم تعرض على الزوج القطعة الثالثة فيرفضها متعذراً بإصابته بالحموضة، فتشرع في إخراجها من تغليفها بلهفة.
"القطار لم يأتِ إلى الآن."
"سيأتي إن شاء الله، لا تقلق."
ترد عليه الزوجة والحلوى في فمها، تلوكها باستمتاع، بينما يتبعها الأولاد بنفس الطريقة، ويلقون بالشطائر جانباً بشكل مؤقت.
"إنها المرة الأولى، إنه لم يتأخر هكذا سابقاً."
يختلس النظر إلى ساعته مرة أخرى؛ إنها السادسة إلا ربعاً، يلقي بنظره إلى الرصيف فيجده خالياً. يسيطر القلق عليه، والشك يعتمر في نفسه، ويتذكر أنه لم يشترِ التذاكر حتى اللحظة.
من المفترض ألا تتعدى رحلتهم الساعة، يكون القطار قد مر فيها بخمس محطات فقط. في الأغلب يأتي عامل التحصيل متأخراً قليلاً، مما يمنحهم الفرصة كي يوفروا ثمن التذاكر لأشياء أهم، إلا أنه لم يجد بداً الآن من الذهاب لابتياع التذاكر من الكشك الرئيسي، مما سيمكنه من التأكد من أن القطار قادم، وأنه لم ينقلب في الطريق أو يتعطل لا سمح الله.
يطلع زوجته على نيته بالذهاب للسؤال، فترد عليه بنهر الفتى بعدما حاول أخذ شطيرة من أخته؛ يعتبر هذا تأييداً لقراره، فيغادرهم ويهم بالذهاب إلى الكشك.
*
ترتفع شمس أبريل في السماء ببطء, متثائبة لبدء يوم طويل. يُحكم أزرار قميصه ذي اللون الأبيض الشاحب واقياً جسده من لفحة برودة الصباح. يتحرك بخطى بطيئة صوب كشك المحطة الرابض أمامه، وبين الحينة والأخرى يلتفت لينظر إلى القضبان ليتأكد من أن القطار لم يأتِ بعد. لاحظ بأن رصيفهم – على غير العادة – خالٍ من المسافرين، فليس في المكان سوى أسرته وبضعة مشردين اتخذوا من مقاعد المحطة مأوىً لهم، بالإضافة إلى مجموعة من الشباب تموضعوا بجانب مسجد المحطة ريثما يصلون الفجر كما خمن.
صفير القطار على الرصيف الآخر يدوي في المكان. لحظات وتهتز الأرض من تحت قدميه بينما يهم القطار بمغادرة المحطة. تساءل في نفسه عن وجهة تلك الصفيحة المعدنية، ومرت خريطة البلاد في ذهنه في صور متتابعة محاولاً استنباط الأمر، إلا أنه تذكر عدم اهتمامه بمذاكرة الجغرافيا في المدرسة، فاكتفى بتنهيدة قصيرة وابتسامة سرعان ما ارتسمت على وجهه.
بصرت.. بصرت ونجمت كثيراً، لكني لم أقرأ أبداً فنجاناً يشبه فنجانك
راح صوت عبد الحليم حافظ يداعب أذنيه أثناء مروره من بوابة المحطة. على يمينه كشك التذاكر حيث يجلس الموظف خلف نافذة زجاجية ذات فتحة دائرية. هناك ربض الراديو بجانبه وكوب الشاي الساخن في إحدى يديه.
توجه صوب الموظف وحيّاه، وفكر في عدد التذاكر التي سيشتريها، فاهتدى بأن يشتري اثنتين، وبإمكان الأطفال أن يجلسوا في المساحة الخالية بينهم، أو حتى على أرجلهم إن اضطروا.
"تذكرتين لقطار السادسة لو سمحت."
رمقه الموظف لثوانٍ والشاي يلامس شفتيه:
"مساءً؟"
"لا، ذلك القادم صباحاً."
ضغط الموظف على جهاز بالقرب منه ضغطتين، فأصدر صوت خشخشة قبل أن يطرح ورقتين سميكتين. مد الرجل يده إلى الموظف بالنقود والتقط التذاكر. شكره، وهمّ بمغادرة المكان قبل أن يسترعي انتباهه أمرٌ فيهما.
رجع مرة أخرى إلى الشباك، وعيناه ما تزالان مثبتتين على التذاكر.
"أعتقد بأن هناك شيئاً خاطئاً."
وضع الموظف كوب الشاي جانباً بضيق، وتساءل بعينيه قبل أن تخرج الكلمات من بين شفتيه:
"ما المشكلة؟"
"التذاكر... إنها بتاريخ غد."
وتكون حياتك طول العمر.. طول العمر كتاب دموع
"نعم، وما المشكلة؟ لقد طلبت تذكرتين لقطار السادسة صباحاً."
"اليوم... كنت أعني اليوم."
شاهده الموظف وعلامات الدهشة على وجهه، وتساءل في داخله إن كان الرجل يعي ما يقول:
"سيدي... إن ذلك لا يمكن للأسف."
"ماذا تعني؟"
قال الرجل والغضب يتسلل إلى قشرته الجبهية، محاولاً أن يتماسك بقدر الإمكان. شرع بقول شيء إلا أن الموظف قاطعه قائلاً:
"لقد غادر قطار السادسة منذ ساعة يا سيدي."
فغر الرجل فاه بعدم تصديق، رمق ساعته فوجدها السادسة إلا خمس دقائق. أشار بها إلى الموظف، فألقى عليها الأخير نظرة، قبل أن تعتلي وجهه نظرة العالم ببواطن الأمور:
"الواقع أن الساعة السابعة يا سيد... إن ساعتك ليست مضبوطة."
"لا، إن ذلك غير صحيح، لقد أتيت بها منذ سنوات وهي من ماركة عالمية و..."
"سيدي، هل غيرتها للتوقيت الصيفي؟"
"ماذا؟"
"التوقيت الصيفي؛ تقدمت الساعة بالأمس، كان يجب عليك تقديمها."
تجمد الرجل في مكانه لثوانٍ، وأتت إليه الذكرى كومضة سرعان ما انتشرت في أرجاء عقله المرهق.
سحقاً! لقد نسي الأمر تماماً.
هرش رأسه في إحراج بينما شاهده الموظف مبتسماً كما لو كان قد اكتشف أعجوبة العالم الثامنة.
"الحقيقة أنني قد نسيت... أيمكنني إرجاع التذاكر؟"
"ممم، يؤسفني أن ذلك غير متاح يا سيدي، بإمكانك استعمالهم غداً إن أردت و..."
"لا، لا يمكنني. إنني مسافر اليوم لزيارة أحد الأقارب، سآخذ سيارة أجرة فلن أستطيع استقلال قطار غد للأسف."
مط الموظف شفتيه في أسف مصطنع، ورشف رشفة من كوبه. بعد تفكير – او اصطناع التفكير- لثوانٍ, قام أخيراً بمد يده إلى الرجل ليأخذ التذاكر. ألقى بهم في أحد الأدراج جانباً، وأعاد النقود إلى الرجل وعلى وجهه ابتسامة المُخلِص.
"شكراً... مهلاً، إن المبلغ ينقص..."
"ماذا تقول؟"
قال الموظف بحدة، مكشراً وجهه بينما أمسك مرة أخرى بالتذكرتين ولوح بهما بخفة أمام ناظري الرجل.
"لا شيء."
قالها باستسلام، وغادر المبنى شاعراً بالحنق الشديد. كانت الشمس تعتلي السماء بالفعل واشتد الحر، ففتح مرة أخرى أزرار قميصه للحصول على تهوية أفضل.
"هيا بنا... سنستقل سيارة أجرة."
نظرت إليه زوجته بذهول. شرعت بسؤالٍ ما مستفسرة، إلا أنه قاطعها مشيراً بأصبعه:
"ليس أمامنا وقت كافٍ... هلموا لنجد سيارة تقلنا كي نصل في الموعد."
"هيا يا أولاد."
قالت بحنان إلى الأبناء تحثهم على النهوض.
وقف ثلاثتهم ووزعوا الحقائب فيما بينهم، تقدمهم الزوج على الرصيف متجهم الوجه. حاولت زوجته ملاطفته سائلة عن سبب ضيقه وعدم قدوم القطار، فأشار بيده إليها مستسلماً لإلحاحها:
"لقد نفدت بطارية الساعة، وغادر القطار منذ ساعة!"
محمد عبدالله الدقيقي، طالب في كلية الطب بجامعة الإسكندرية الأهلية، مهتم بالقراءة والكتابة بكل أنواعها. يمكن متابعة حسابه على منصة إكس @ @MDakiky