top of page

ثريا

شروق العتيبي


عادة الذهاب للعرس بسيارة كبيرة تأخذ كل نسوة العائلة دفعة واحدة لم تغيرها حقيقة أن التي باتت تقود واحدة منهن.
نورة الأجمل والأقوى والأقدر على التفاهم مع الجمادات كانت أول من استخرجت رخصتها ثم تشجعت بقية بنات العائلة بعدما حازت نصيبها من التوبيخ والمديح وتداخل الآراء. واصلت نورة المضي في دربها بدعم وحماية من والدها الذي كان يردد دائما على مسامعها بأنها ولده دون أن يسلب ذلك شيئا من أنوثتها.

العرس كعادة أعراسهم حافل بالقريب والبعيد ومن جاء في رحلة شاقة بدافع الحب في صد ورد للواجب الاجتماعي. بعد رقص واحتفال لمحت نورة جدتها وقد جلست بجانب ثريا المرأة المسنة التي عُرفت بأنها دائما تبحث عمن يعيدها لبيتها.
ترحمها نورة لأن لها ابن واحد وخمسة هم أبناء زوجها ربتهم بعد وفاة أمهم، ومع ذلك من النادر أن يتحمل واحد منهم مسؤولية عودتها. ليتهم يرفضون حتى إيصالها ماداموا سيتجاهلون اتصالاتها وقت العودة.
لربما هذه عادة ثانية لن تتغير أن يخرجن من العرس بركاب جدد ويصبح العدد أكبر من احتمال السيارة.
رفعت نورة رأسها لتأمل الثريا المعلقة في بهو القاعة لأن الضوء تردد ما بين انطفاء وإشعاع، كانت نورة تنتظر أن تعطيها الموظفة عباءتها.
تتهادى جدتها بالمشي برفقة ثريا. توقفتا لثانية واحدة لأن ثريا تلقت أخيرا ردًا على هاتفها. في هذه اللحظة بالذات وقعت الثريا وتطايرت شظايا الكريستال.

أصوات كثيرة تداخلت "جاك شيء؟" و"فيكم شيء"؟ والكثير من الأسئلة.
خدوش كثيرة كان من المفترض أن تغطي جسد نورة لكن فستانها الطويل الذي تزينه قطع الكريستال حماها من مجال الإصابات الأكبر كما أن وضعيتها حمتها. الأذكار والدعاء والكثير من الأفكار وصوت أمها يذكرها أن تحصن نفسها تعج في ذهنها، كادت أن تضحك.
ابتلعت رغبتها بالضحك لأن جدتها أصيبت بخدش فوق عينها– الجدة المغطاة بالسواد والتي لا يبدو منها إلا عيناها أصيبت!

قامت واحدة من بنات عمها بتطبيب جدتها كيفما اتفق، وباتت ثريا تمجد وقفتها التي منعت الثريا من الوقوع مباشرة على رأسيهما! ثريا لم تصب بخدش ومع ذلك هي مذعورة.
قال ابنها بأنه مشغول وعليها أن تجد من يعيدها وهي عزمت على الرحيل، لن تنتظر وستغادر من فورها.

جلست ثريا في المقعد الأمامي مكان جدتها، حيث سيكون من الأسهل لها أن تنزل دون أن تضايق أحد بوزنها الذي كان سيربك خطة الجلوس. تفترض نورة أن جدتها لم تتعمق بالتفكير وأنها رغبت بالانسحاب غير المعلن من الأحاديث التي طالت وتشعبت حتى بدت أحاديث ثريا مثل تحقيق عبثي تفترض نورة أنها تحاول فيه إلهاء الركاب عن حقيقة بعد بيتها عن القاعة وعن بيتهم وعن اتجاههم العام.

"نورة فيه سيارة تلحقنا!"

"لا توسوسين ولا تطالعين فيهم."
قالت نورة بحزم وقد انتبهت منذ دقائق وقررت تجاهل الأمر.

باتت رقاب النسوة مقيدة للنظر للأمام بفعل الخوف، مخافة أن يجدن السيارة تتبعهن والخوف من أنهن خلقن هذا الرعب بأنفسهن. عم السيارة صمت لم تعد نورة تسمع فيه إلا أنفاس النسوة وهن في حالة انتظار.
قررت نورة أن تسبق مخاوفهن بطمأنة لا تحس بها
"ونفرض أنهم شباب؟ وش بيصير يعني؟ أقصى شيء بيصفر ولا بيرمي كلمتين ويمشي."
تتمنى أن لا يتجاوز الأمر ذلك، لكن توقيت عودتهن يعارض طمأنتها والمكان لا يخدمها هذا الطريق الشبيه بطرق السفر يبدو الآن مقفر مقطوع وشديد البعد عن المدينة والناس ولن ينتهي بعد ١٥ دقيقة كما يقول تطبيق الخرائط في جوالها.
جدتها أول من تكلم:
"يمكن إذا شافوا السيارة فيها حريم كبار يقصرون عنا."
اختفت بعض الرؤوس مما تراه نورة في مرآتها الأمامية. بقيت أمها تسبح في صمت لا يصلهم منه إلا صوت حوقلتها وبسملتها.
ترمي جدتها بالاقتراحات وتهدد حينًا وتعود للدعاء وجارتها في المقعد الأمامي نطقت لأول مرة:
"وقفي خلينا نوقف ونطلب الشرطة، ما جاينا شيء بنقفل علينا وننتظر الشرطة."
لم تنتبه نورة للسرعة التي تقود بها، لم يعد التوقف واحدًا من خياراتها فالسيارة التي تلاحقهم صارت تسابقهم.
يميل برعونة على سيارة النسوة وتحاول نورة تفاديه بالتسليم والتباطؤ ثم شع ضوء جديد.
لحظة واحدة رافقها صوت مريع حاد، حدث الاصطدام.

نجحت لحظتها نورة في تجاوز الطريق الموحش لكنها لم تفلت منهم. تخيلتهم مراهقين مصابين بالهزال لكن الذين يقفون من حول السيارة رجال مسخهم خوفها ليبدو بوجوه غريبة كالضباع.
تنادت أصواتهن الجميع بخير ما عدا ثريا التي طارت حقيبتها المرصعة بالكريستالات خارج السيارة.
متى فتحت ثريا نافذتها؟ أم هل كانت تحاول فتح بابها؟ هل حاولت رمي نفسها؟ دقيقة وامتلأ المكان برجال أسوياء لهم وجوه طبيعية وحينها فتحت نورة بابها وكان أول ما رأته أن أحد الضباع قد أصيب بالسعار وهو يصرخ ناحية ثريا:
"أمي."



شروق العتيبي أخصائية علاج وظيفي تعمل في مجال الطب النفسي. مؤسسة نادي الكتابة "الفصل الأول" في مبادرة غير ربحية لتعليم الكتابة الإبداعية وإثراء المحتوى المحلي وخلق مجتمع كتابة يدعم فيها الكتاب بعضهم. كتبت قصص مصورة للأطفال وتكتب السيناريو. يمكن متابعة حسابها على منصة إكس @shrooqwrites

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page