top of page

الضوء البرتقالي

فاطمة عبد الحميد

تنازلتُ مرة لفتى في حي «النزلة اليمانية» عن دوري في الأرجوحة. اعتاد أن يأتي مرتديًا شورتًا برتقاليًا، ولا شيء غيره. كانت تلك أول مرة في حياتي ألتقي فيها إنسانًا أسود البشرة.
ظل يلعب وحيدًا، يشوت الحصى، أو يدفع الصبية فيسقطون على الأرض، ثم يقفز حولهم منتظرًا أن يبادلوه اللعب، لكن أحدًا لم يفعل. كانوا يكتفون بمناداته بأقبح الأسماء، ويبتعدون عنه. ولم أفهم، وأنا طفلة، كيف يمكن للون الأسود وحده أن يبدو سببًا كافيًا للغضب.
ذات يوم، وبعد أن فرغ من مطاردة الأطفال جميعًا ودفْعِهم، اتجه نحو الأرجوحة. نهضتُ عنها في الحال، وقدمت له الحبل. استقر في مكاني، بينما وقفت خلفه، أطلقه إلى الأمام بكل ما في ذراعيّ من قوة، من غير أن يطلب أو يقول شيئًا. ظل يتأرجح صامتًا، وحين اكتفى، اندفع بقفزةٍ خُيّل إليّ معها أنه طار في الهواء قبل أن يهبط، ثم انطلق يعدو، تتبعه سحابة خفيفة من الغبار.
بعدها تغيبتُ عن اللعب أسبوعًا كاملًا، خوفًا من أن ألتقيه مرة أخرى. وفي اليوم الثامن عدت. ركضت نحو الأرجوحة، امتطيتها بقفزة، وما أن غرست قدمي في الأرض لأندفع إلى الأعلى حتى شعرت بكفين تدفعانني من الخلف.
لم أقل له: توقف.
ولم يتوقف.
ربما تحرك دماغي من مكانه، من فرط ما دفعني إلى السماء. ومع ذلك ظللت صامتة. كنت أخشى أن أطلب منه التوقف فيغضب ويضربني. غابت الشمس، وأرخى الليل ستاره، حتى لم أعد أعرف، هل ما زالت يداه تدفعانني، أم أنه توقف منذ زمن، والتهم الظلام أطرافه!
التفتُ أخيرًا.
كان وجهه يلمع عرقًا، وفمه مفتوحًا يلهث من العطش. ويجدر بي القول هنا إنني كنت في السابعة من عمري، وربما أزن ضعفَ وزنه.
قلت:
- خلاص!
توقف في اللحظة نفسها، وركض كخيطٍ برتقالي مضيء، يرسمه عود ثقاب في قلب الظلام.
سمّاه أطفال الحي المهذبون «ماوكلي»، فيما دعاه الآخرون «العبد».
أما أنا… فسميته صديقي.

فاطمة عبد الحميد قاصة وروائية سعودية. وصلت روايتها "الأفق الأعلى" للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية ولها عدد من المجموعات القصصية.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page