الملاذ الغريب
كارمن عبد الله
كانت أول مرة بحياتها تحس أن أحدًا يسمعها دون أن يجهز حكمه قبل أن تتكلم.
لم تكن بحاجة أن تشرح كثيرًا.
يكفي أن تقول نصف جملة، وهو يفهم الباقي، كأن بينهم لغة قديمة لا يعرفها أحد.
معه، لم تكن تحاول أن تكون ألطف، أو أهدأ، أو “أفضل نسخة” من نفسها.
كانت فقط… نفسها.
ولأول مرة، كان هذا كافيًا.
كان يعرف خوفها من الرفض، وهي تعرف تعبه من العالم.
وكان بينهم نوع غريب من الطمأنينة، كأن كل واحد منهما وجد مكانه في الآخر دون أن يبحث.
حتى الصمت بينهما لم يكن ثقيلًا.
أحيانًا يجلسان وقتًا طويلًا يتحدثان عن أشياء عادية جدًا،
لكنها بعد كل محادثة كانت تشعر أنها أقل وِحدة في هذا العالم.
هو أيضًا تغيّر معها.
صار أهدأ، أكثر لينًا…
مثل جنديٍّ يرخي درعه أخيرًا بعد حرب طويلة.
وكان هذا أكثر شيء أخافها.
لأن الأشياء الجميلة دائمًا تبدو مؤقتة.
ومع الوقت، بدأت الحياة تمضي في اتجاه آخر.
الطرق التي كانت تجمعهما، بدأت تتفرع بهدوء.
حاولت أن تقنع نفسها أن بعض العلاقات يكفي أنها وُجدت،
لكن قلبها كان عنيدًا.
كانت تنتظر منه الشخص القديم،
نفس القرب،
ونفس الشعور بالأمان.
لكنه صار أبعد في كل مرة،
كأنه يخاف أن يعتاد حنانها، ثم يفقده مرة أخرى.
وكانت، رغم كل شيء، أكثر إنسان تفهمه.
وفي آخر مرة تحدثا فيها، شعرت أن الكلمات بينهما تؤدي واجبها فقط.
لا دفء.
لا انتماء.
ولا ذلك الشعور الذي كان يجعل العالم أخف.
بعدها ذهبت.
ليس لأنها لم تعد تشعر بشيء،
بل لأنها شعرت بالكثير لدرجة لم تعد تستطيع البقاء.
ظنّت أن الشعور بالانتماء يكفي ليجعل الناس يبقون،
لكنه عاد غريبًا، كأن كل ذلك القرب لم يحدث يومًا.
ومنذ ذلك الوقت،
كلما قابلت أشخاصًا جدد، أدركت أن أصعب أنواع الفقد، هي أن تجد شخصًا شعرت معه أنك مفهوم تمامًا، ثم تقضي بقية حياتك تبحث عن ذلك الشعور مرة أخرى…
كارمن عبدالله كاتبة من السعودية.