top of page

وقائع الفطور الأخير

سامر أنور الشمالي


اقتربت زوجته بشعرها الطويل الذي لم تمشطه من المائدة الخشبية المركونة في زاوية مطبخ غير مرتب. أتت لتضع صحونًا متفاوتة الأحجام والأشكال، تحوي القليل من بقايا أصناف طعام لم يعدّلها أو يبدلها أحد منذ أكثر من ألف عام. تنبه لرائحة عطرها الذي لم تبدله مذ عرفها، حتى أمسى لا يفرق رائحته المألوفة عن رائحة عرقها.
شعر لسبب ما، لم يعرف مصدره ولم يعنه ذلك، أن الحياة مع هذه المرأة التي تفتقد شيئًا يجهله قد أصبحت مستحيلة!
لقد تأكد له أنها تبدو كأي امرأة عادية متزوجة من رجل عادي لا تميزه خصلة فريدة، فلا يعنيها رفع الستارة المطرزة بخيوط رديئة عن النافذة الصغيرة لترى هطول المطر الغزير أول فصل الشتاء الطويل، لعلها تبدد بذلك بعض الملل.
بسبب مشاعره المرهفة بقدر قساوتها، لم يمد يده إلى كوب الشاي الشهي ببخاره الحائم فوق سطحه الساخن، كشراع سفينة توشك على الغرق في لجة بحر عميق.
سألته، عندما تنبهت لعدم مشاركته الطعام، وكانت قد شارفت على الشبع:
ــ "لماذا لا تأكل؟"
أحس بأنه يجب أن يقول لها ما يفكر فيه دونما تمهيد، ومهما تكن العواقب. فقال وهو يرى انعكاس نصف وجهه غير الحليق على صحن غمره الزيت الرائق:
ــ "يجب أن…"
قال بهدوء رغم اضطرابه، ثم أردف بصوت مرتفع قليلاً:
ــ "نفترق!"
برغم أنها اعتادت غرابة أطواره، ومزاجه المتقلب، وطباعه المربكة إلى حد غير مقبول، لم تتوقع ــ خاصة أوقات ما بعد الاستيقاظ ــ مثل هذه المداخلة المحزنة، بل الفجائعية، كقصة غير حقيقية لمؤلف أوشك على الجنون!
توقفت عن المضغ لبضع ثوان، قبل أن تتساءل بحيرة غير مسبوقة:
ــ" لم أفهمك.. تماماً؟!"
أكد، وهو يعبث بملعقة صغيرة في حبيبات السكر الدقيقة الموضوعة في علبة معدنية غطتها كلمات مبهمة لها أشكال غريبة:
ــ "سأطلقكِ بعد الظهر!"
عندما سمعت هذه الجملة كانت تمضغ بنهم، فبالأمس نامت باكرًا من غير أن تتناول العشاء. وتركته يقرأ في كتاب سميك بلا غلاف، ضاعت بعض أوراقه المصفرة منذ مدة بعيدة.
من شدة المفاجأة غصت بلقمة الطعام، فكادت تختنق، ولكنها سعلت بشدة، وتقيأت ما في جوفها على أرض المطبخ، فاختلط سائل مخاطي دبق مع مربى المشمش، وفتات الطعام، وسائل القهوة الأسود.
ثم اتكأت على حافة المغسلة بعدما رشقت وجهها بماء الصنبور تاركة القطرات الباردة تنساب دون أن تمسحها على عنقها الذي كساه البرد احمراراً خفيفاً أظهر بوضوح سلسلة ذهبية دقيقة تلازمها حتى أثناء النوم والاستحمام.
لم يفتح فمه كعادته، مفضلاً الصمت في لحظات حياته التاريخية النادرة.
وهي لم ترغب في سماع المزيد، فتشاغلت بتأمل أشيائها المملة حتى استرعى انتباهها شيء جديد. فتناولت سكينًا من سلة التسوق، ونزعت عنه غلافه الشفاف الرقيق الذي له هسيس لا يكاد يسمع. ثم صرخت بصوت مشروخ، وهي تضحك بنزق:
ــ "هل تصدقني إذا قلت لكَ.."
ثم أكملت استرسالها بهدوء غير متوقع، ودون أن يفقد صوتها شيئًا من بحته:
ــ "اشتريت هذا السكين كي أقطع بها شرائح البطاطا التي تحبها؟!"
لم تفاجئه بأنها قد أشهرت السكين بوجهه الشاحب دائمًا، بقدر ما أدهشته جملتها المباغتة (التي تحبها) فقد كان يفتقد هذه الجملة حقًا، ومنذ زمن بعيد.
اقترب منها يريد ضمها إلى صدره، وتقبيلها كما لم يفعل منذ أن كانت عذراء.
ولكنها خمنت كل خياراته المحتملة، عدا خياره الأخير. فدفعت بنصل السكين الحاد في بطنه الضامر حتى المقبض المزين بفراشات ملونة تدور حول زهور صغيرة بيضاء.
سقط مطلقًا آهة أشبه بكلمة وداع تطلق على سبيل المجاملة. ورشقت دماؤه الحمراء ــ كوردة تهدى قبل عتابات الحب ــ على جدران تساقط عنها الطلاء وعلى براد صدأت أطرافه، وعلى موقد غاز يحتاج إلى صيانة، وعلى قميص نومها البنفسجي الذي انحسر عن ذراعين سمراوين نزع الشعر عنهما حديثًا.
عندما رأت جسده يختلج بانتفاضات راعشة، بينما تنسلخ عنه الروح بضراوة لا تصدق، تذكرت أنها قالت له عندما ذبح دجاجة سمينة في عيد زواجهما الخامس الذي لم يمض عليه أكثر من ثلاثة أسابيع: "كم أنت قاسي القلب!"
قال لها مبتسمًا، وهو يحتضنها من الخلف، ويطبع قبلة صغيرة خلف أذنها المزينة بقرط ذهبي تتوسطه خرزة زرقاء:
ــ "أنتِ حساسة أكثر مما يجب."
قالت، وهي تضع الدجاجة المذبوحة في الماء الساخن:
ــ "في المرة القادمة اشتر الدجاج مذبوحًا.."
ثم أردفت بلا مبالاة وهي تبحث عن الفلفل الذي كثيرًا ما تنسى أين تضعه:
ــ" لا أرغب برؤية الدماء المقززة في منزلنا الوديع!!!"


سامر أنور الشمالي هو روائي وكاتب وناقد سوري. حصلت أعماله على عدد من الجوائز الأدبية منها جائزة راشد بن حمد الشرقي في مجال الرواية وجائزة نبيل طعمة في القصة القصيرة.

bottom of page