top of page

المسرح وجسدي، وأبعاد الحركة الغائبة

مريم الحبيل


جلسنا جميعاً في مقاعد متفرقة ننتظر وصول المدرب في اليوم الأول من ورشة عن التمثيل المسرحي، وحين وصوله لم يأخذ المدرب مقعده، ولم يلتفت له، ولم يُضِع الكثير من الوقت، فقبل أن يزيح حقيبته عن كتفه وبعد أن قام بالتعريف بنفسه بشكل ودود (ولكن مستعجَل) أوضح: "لا حاجة لترتيب المقاعد فلن نستخدمها أصلاً!".

وبدورنا وبشكلٍ يكادُ يكون غريزياً أسرعنا بتنفيذ إرشاداته وبوضع المقاعد جانباً، فرغم لطف ورفق هذا الشيخ فهو لا يقبلُ التلكؤ! كما أوضح لاحقاً: "لامجال للتردد والخجل هنا، هنا أنت ممثل فقط، و هذا ينطبق عليّ، أنا الشيخ في بيتي الذي يُقبل الجميع رأسي ويحترمون مهابتي كأبٍ وجد، أنا أولكم هنا! ولا أخجل من المشاركة بالتمارين!"، هكذا وبعفوية وصرامةٍ ناعمة أذاب الأستاذ الجفّال الحواجز منذ البداية وزوَّدنا بجرعة من الشجاعة والدفء.

كانت تلك اللحظات الأولى من ورشةٍ حضرتها في معهد سين للتمثيل بمدينة الخُبَر، الورشة التي بدأت في الثامن عشر تموز/يوليو وانتهت في العشرين من تموز/يوليو، لم تتجاوز فترة الثلاثة أيام، لكن هذه الفترة كانت كافية لإحداث خلخلة في الانطباعات والافتراضات المسبقة لدي عن المسرح، فللمرة الأولى شعرتُ بأنني فهمت المسرح… و للمرة الأولى شعرت بأنني لا أفهم أي شيء عن المسرح في ذات الوقت! شعرت وكأن ما رأيته للمرة الأولى كان أمام أنفي منذ البداية وإن لم أراه.

لم أكن أرى تلك الحركة على الخشبة... ولعل الأصحّ أن أقول إنني لم أُجد رصد الحركة، فكنتُ أسمع الحوار كما لو كنت أقرأه، أحصي الثيمات عبثاً كما نفعل لدى قراءة الرواية وأحاول في رهانٍ خاسرٍ تحميل العمل تأويلاً ما، فبينما كان ما أمامي حياً يتنفسّ ويتلون تلون الحياةِ نفسها، كنتُ لازلتُ عالقةً بين جمود بياض الورقة وسواد الحبر.

بطبيعة الحال، كنت أُفضّل مبدئياً ألا نسعى وراء اصطياد هذه الحركة في المسرح حالاً وأن نلتزم بمنطقة الراحة فنناقش المسرح على مقاعدنا، ولم يكن ذلك بسبب تعصب لمدرسة أخرى، بل -ببساطة- لأن ثقتي بقدرة جسدي على مواكبة زملائي كانت مهزوزة بسبب وزني ومظهري، فمنذ البدء باستخدام الأدوية النفسية عام ٢٠٢١ م وخلال عام وأربع أشهر فقط ازداد وزني ٣٠ كيلو غراماً، واصلت لسنتين محاولةً خسارة هذه الثلاثين عبثاً إذ لم أخسر سوى المعركة مع وزني، فخسرت عشرة كيلوغرامات ثم زدت ٢٠ كيلوغراماً خلال فترة من البطالة عن العمل والاكتئاب غبت فيها في غرفة النوم لأشهر.

جواب الأطباء النفسيين كان متبلداً في أحسن الأحوال، فلسان حالهم كان: "لمَ نقلق على الأعراض الجانبية للدواء في حين أنه يعمل عموماً؟"، أما أطباء السمنة فعكس سلوكهم انتهازية واضحة باقتراح عملياتٍ جراحية منذ الثواني الأولى دون حتى معرفة تاريخي الطبيّ حتى، هذه السلوكيات المهنية الكسولة عززت فيَّ اعتقاداً مفاده أن صحتي وجسدي وعلاقتي به ليست مهمة... وهكذا بدوري آمنت بأن ما خسرته لم يكن مهماً وأن قلقي على صحتي وأسلوب حياتي كان رفاهيةً "نسائية" تافهة، فكما حرمتُ نفسي من رؤية جماليّة الوعي بالحركة على المسرح، سادت القطيعة بين روحي ونفسي وبين جسدي ، إذ لم أستطع أن أراني وحتى اللحظة أتجنب أن أراني وأكره أن تصورني أمي بهاتفها المحمول، ولا أعرف كيف مثلتُ حين مثلتُ في الورشة وصور الأصدقاء المشهد حتى اللحظة، إذ رغم أنني أرى المسرح لا زال يصعبُ عليّ أن أراني على الخشبة.

لكنني ولحسن الحظ نجحت وقتها وقاطعتُ مخاوفي وترددي وخلعت حذائي الغير مريح ومضيت مع زملائي في التمرين الأول حيث نمشي في دائرة واضعين بالاعتبار إبقاء مسافةٍ مدروسة بيننا، ومحاكاة الحركات المختلفة المتسارعة حين يبدأها أحدنا ونعكس جميعاً ذات اللغة الجسدية.

بدأت وأنا أمشي أتأمل بديناميكية المسرح مجدداً فهو حركة لا تتوقف، وفي ذات الوقت فهذه الحركة لابدّ أن تكون مدروسة، واعية، ودقيقة -كما يُفترض أن تكون حركاتنا- وكما يعيد تذكيرنا الأستاذ والمدرب عبدالله الجفَّال خلال الورشة فنتذكر المساحة المحدودة على الخشبة، فنضع دوماً في عين الاعتبار المساحة التي نأخذها من الخشبة ومن الممثلين الآخرين حولنا، وأن نتحرك معاً ككيان واحد.

من خلال ورشة الأستاذ عبدالله الجفال اكتشفت عدة اكتشافات عن المسرح، وإحداها أن العلاقة بين النص المسرحي والأداء المسرحي معقدة وتتبع بدورها قانون الحركة المستمرة، فما سنراه على الخشبة ليس بالضرورة التمثيل الوفي للنص، ذلك لأن النص بدوره لا يفتأ ينمو مع المسرح ويتحرك وهذا مايميّز النص المسرحي عن النص الأدبي، وكما يقول المدرب عبدالله الجفال: "ماذا يبقى للمخرج أن يفعل لو قرر الكاتب مسبقاً كل شيء؟"، النص المسرحي -ورغم المحاولات المتكررة لتطويعه- يظل بمثابة خيل جامح عصي عن الترويض فلا أحد يملك النص المسرحي، وهو رهن لتفسيراتٍ وتطبيقاتٍ لا نهائية وغير محدودة.

ابتداءً بشغفه ومعرفته وخبرة عقود طويلة، يُمثل الأستاذ عبدالله الجفال خير مثالٍ واعٍ وملتزم بالمسرح كأسلوب حياة متكامل، فيحثُّ على المواظبة على التمارين الجسدية الملائمة للمحافظة على المرونة واللياقة بالإضافة إلى تحفيز العضلات الدقيقة المستخدمة في التمثيل، ويحرص على الالتزام الكامل بأن يكون منهج المسرح النقطة التي يتمحور حولها أسلوبه التدريبي، ابتداءً من أبسط التفاصيل كالتعارف بين التلاميذ؛ فبدل أسلوب وصفه بـ "أسلوب الصف الدراسي" حيث يتعين علينا الالتزام بأسلوب جامد ورتيب كأن نردد على التوالي أسماءنا، حرص على أن يكون تعارفنا من خلال لعبة ممتعة للتدرب على التمثيل، الأمر الملائم من عدة أوجه وأهمها ربما هو أن ذلك رسّخ الروابط بيننا وعلاقتنا كممثلين على ذات الخشبة منذ الدقائق الأولى، بدل من إعادة فرض الرسميات الاجتماعية التي تعنينا بدرجة ثانوية هنا.

على الرغم من سرعة وتيرة الحركة التي ميّزت الورشة التي اعتمدت على الألعاب والتمارين والضحكات عبر الأحاديث والمناقشات القصيرة التي تخللتها، حيث دربنا الأستاذ: "تحدثوا واستمعوا واضحكوا وتحركوا في ذات الوقت"، فلقد وجدت النظرية والجانب النظري طريقها للورشة، فحرص الأستاذ الجفال على إيضاح بعض العناوين العريضة لمناهج التمثيل مثل ديدرو وستانيسلافيسكي، بعد تقديمها بشكل عملي عبر ألعاب التمثيل.

غير أن الجدل النظري في ورشة الجفال يأخذ دوراً ثانوياً، فسواءً كنت وفياً لديدرو ومايمكن أن نصفه بأدائيته الجسدية المبنية على الأداء الاحترافيّ أو كنت وفياً لستانيسلافسكي وحرصه على التقمص الحيّ، فلابد أن تعكسَ علاقتك بجسدك وصحتك مايؤهلك لإجادة الدور بحيث يستطيع جسدك أن يتبع عقلك وإرادتك كممثل/ة، لا يعني ذلك أن نُصبح كلّنا لاعبي كمال أجسام (على الأقل ليس بالشكل الذي تراه على التلفاز!) بل على العكس؛ يتعين علينا الوعي بأن لنا نحن أيضاً أجساد! ولو اختلفت أو اعتبرت أحياناً "قاصرة"، فيمكننا جميعاً ومهما كانت قدراتنا أن نتدرب، فسواءً كانت عضلات الحاجبين أو الساقين، وأياً كانت أوزاننا وأعمارنا، وسواءً كانت لنا أقدام أو لم تكن لنا أقدام! فإن لنا أجسادٌ جديرة بأن نحمي ونعتني...ذلك لأنها تمكننا من أن نكون وأن نعبّر سواء على الخشبة أو على مسرح الحياة... أكرر لنفسي: "لا تعتذر/ي لأنكِ أخذتِ مساحتكِ ولا تستسلمي!" هذا هو الصوت الذاتي الشجاع الذي استعدته بفضل الأستاذ الجفال.

بحكمته -وهيَ أولاً حكمة فطرية روحية معطاءة وثانياً هي خبرة مهنية طويلة تشهد بها سنينه السبعين- نجح الأستاذ الجفال في تمثيل مدرسة الالتزام المتجدد والدؤوب في المسرح، مدرسة لا يتبعها كثيرون اليوم، والعراقيل تتنوع بين أسلوب حياة ننفصل فيه عن أجسادنا وصحتنا، وأسلوبٍ مهنيٍ عهدنا من خلاله أن الاستعداد للدور يعني "الجلوس والقراءة قبل الذهاب" كما يقولها الأستاذ مشتكياً.

واجهتني إحدى هذه العراقيل خلال الورشة، فتوقفت عن احدى التمارين موضحةً للأستاذ سبب توقفي وكون ركبتي ستبدأ بالأنين تحت وطأة السمنة المفرطة وسوء اللياقة، حينها حرص الأستاذ على اقتراح صور بديلة يمكنني تنفيذها من التمرين وعلى تشجيعي على المواصلة بصورة تناسبني، وأوضح كيف أنه -ورغم العراقيل- يتعين علينا جميعاً أن نبدأ من أي نقطة أو مستوى وحيثُ كنّا.

مريم الحبيل، خريجة جامعة الملك فيصل بكالوريوس انجليزي عام ٢٠١٥، مهتمة بالسينما والمسرح وبالثقافة والمجتمع.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page