top of page

ذاكرة نخلة وصورة مشابهة لجدتي

سارة الجريسي

مربع ترابي مكشوف من الأرض، يقع في وسط فناء مبلّط واسع تملأه الأبواب، باب المخزن على الجهة اليمنى من المنزل، باب المطبخ الخارجي في الجهة المقابلة، باب للملحق، وباب لمدخل النساء. بلاط مديفر، وبركة ماء ذات غطاء حديدي تسري حوله إشاعات الغرق، وحبل نشر للملابس يمتد من أول الفناء حتى آخره، ويمر بالمربع الترابي الذي تتوسطه نخلة، تمرها أحمر بيضاوي وطويل، وتسمى بالحلوة.
لا يعرف للنخلة عمر ولا توجد لها ذكرى نمو، وجدت في منتصف الفناء منذ الأزل، تعلو حتى تصل لسطح المنزل، ويحوط حوضها فسائل صغيرة نمت من النوى المتساقط من العذوق. تقوم الأم بشكل دوري بسحب الفسائل من الأرض ورميها قبل أن تكبر أكثر ويصعب إخراجها؛ لأنها لا تريد أن يكون لنخلتها المفضلة شريكة أخرى، غير أن العناية بنخلة ثانية وإيجاد مكان آخر في الفناء مهمة شبه مستحيلة، الوقت ضيّق والمساحة قليلة.
شهدت النخلة كل مشاهد الحياة في المنزل، ولادة الأطفال ودراستهم وزواجهم، شهدت الموت ودخول المعزين من الباب المقابل لها، وشهدت العيد والاحتفالات. حتى أنها كانت جزءًا هامًا من كل حدث، كانت تمرها حاضرًا بكل ألوانه في كل مشهد، كان البسر الأحمر يوضع بشماريخه في صواني بلاستيكية عند حضور الجيران والشخصيات الهامة، ويوضع تمرها البني في كل صباح في الصحن الحديدي الأبيض والمنقش بالزهور الحمراء، جنبًا إلى جنب مع فناجين زجاجية بيضاء تقاربها بالشكل. وفي فصل الشتاء، يؤخذ الدبس من التمر المكنوز ويوضع على أطباق الحلويات الشتوية. كما تكون النخلة حاضرة في كل لعبة وخطة تحاك في الفناء، يختبئ خلفها الأطفال أثناء لعب الحبشة، ويخططون خلفها للوصول لأفضل مقلب ليضحكوا به على أكبر حفيد. كانت النخلة العامود الأساسي للمنزل، وباختفائها بعد ترميم المنزل تغير كل شيء، كما حدث عندما توفيت جدتي.
كانت ولا زالت جدتي هي العامود الأساسي لمنزلنا، تقول دائمًا عندما نسألها عن عمرها:" أنا ١٥ توني شباب" وكان تعريفها للشباب أنها تستطيع أن تتسابق معنا في أي وقت، لكننا لم نكن نتسابق أبدًا بل كنت أنا الوحيدة التي تركض، بينما تقف ورائي دائمًا مهددة ومتوعدة. ومع ذلك، اختبأت خلفها بعد كل مصيبة أقوم بها، كما كانت الشخص الذي يتصل بمدرستي الابتدائية عند حدوث أي مشكلة. أتذكر كل حفلات المدارس التي حضرتها جدتي وسرقت الأضواء عن الجميع. كانت خفيفة الدم، تلقي النكات بدون أي لحظة للتفكير، وتنصت للجميع ولا تقاطع أبدًا، كما كانت تتذكر أسماء زميلاتي وأمهاتهن وأسماء المعلمات، مما جعل الجميع يميل لصحبتها ويحرصن على دعوتها والسلام عليها.
كانت كريمة ومعطاءة، تعطي بدون أن تفكر في الغد. تسألني:" كم باقي لك فلوس وتشترين اللي تبينه؟" وعندما أخبرها بالرقم، أجدها بعد أن تدخل للصلاة بغرفتها تعود لتعطيني منديلًا ملفوفًا بوسطه المبلغ الناقص. كانت عطوفة ومرهفة الحس، تبكي لسماع قصيدة، ويزورها الأرق يوميًا لتفكيرها في أحفادها وأبناءها، تقول عند رؤيتي لها صباحًا:" أمس ما نمت، أفكر نكبّر الحوش وأبني به غرفة لفلان" لا أتذكرها قد قامت في حياتها بتناول أي طعام بدون أن تقسم لنا منه، حتى بعد أن نشبع وتلقينا التخمة على الأرض.
كانت حاضرة في كل تجاربي الأولى في حياتي، كانت موجودة عندما تعلمت القراءة وأصبحت أقرأ لها الجريدة يوميًا، كانت موجودة عندما طبخت طبقي الأول، وعندما تخرجت من كل مراحلي الدراسية، وحتى بعد أن نشرت كتابي الأول والثاني. استندت عليها لأتعلم كل شيء، وكانت هي حريصة لأتعلم كل شيء. عندما أجلس للقراءة في غرفتها كانت تخفض صوت التلفاز وأحيانًا تطفئه، تسألني دائمًا عما أقرأ، وإن كان مهمًا للجامعة أم لا. أخذت منها كثيرًا بدون أن أشعر أنني أعطيتها شيئًا، وعندما أطلت شعري أخيرًا كما كانت تتمنى، كانت في غرفة المستشفى، غير قادرة على الكلام، أومأت إيماءتها الأخيرة، واختفى أشد أعمدة حياتي وأكثرها صلابة.
فكرت كثيرًا في احتمالية كوني الحفيدة الغائبة، بعد الموت، تتكالب جميع الأفكار السوداوية والذكريات الناقصة، قرأت اقتباسًا يقول:" أليس الحب في النهاية معرفة؟" وتوقفت عند علامة الاستفهام وقتًا طويلًا، بين صفوف المعزين صديقات لجدتي وجيران وحفيدات ومعارف كثر، عرفنها على فترات مختلفة من حياتها. كن يتحدثن معي عن تفاصيل في شخصية جدتي ومواقف أعرف يقينًا ماهيتها، أعرف أنها تحب هذا وتكره ذاك، أعرف أنها ستقوم بكذا وستفعل كذا. لم تكن جدتي تتحدث عن نفسها كثيرًا بحضور الناس، لكنني عشت معها في نفس المنزل، سمحت لي بالاطلاع على أفكارها ومبادئها بدون أن تضع حاجزًا بيننا، وبدون أن تغير من نفسها لتواكبني، سمحت لي بمعرفتها، وبمعرفتي لها أحببتها.
عرفتني هي بدورها، لم يعجبها أنني غالبًا ما أشد على إخوتي الصغار، تؤنبني في كل مرة أستعمل التربية الحديثة، لكنها اقتنعت أن هذا جزء من شخصيتي وعرفتني به. حرصت على أن تسألني يوميًا عن حالي وعن مشاعري وعن أحداث يومي البسيطة التي تراها أمامها، تسألني عن منظوري وردة فعلي، تشجعني على كل قراراتي مع أنها لا تفهم لمَ أقوم ببعضها. عرفتني كما لم تعرفني أقرب صديقاتي، تعرفني من نظراتي وحركاتي وردود أفعالي.
لم تكن تعبر عن مشاعرها كثيرًا، لكنها عرفتني، وبهذا شعرت أنني محبوبة. قد لا أكون الحفيدة الغائبة، ولكنني كنت الحفيدة الأكثر معرفة بها، وهذا يكفيني. لكنني بالرغم من ذلك أتمنى لو أنني أفطرت معها صباحًا أكثر، أتمنى لو أنني نفذت خطتي وطبخت معها الفطور في غرفتها، لكن الدنيا سريعة، اقتلعت النخلة لتوسعة المنزل قبل أن يحل وقت الخراف، وتوفيت جدتي قبل أن أفطر معها.

سارة الجريسي كاتبة قصص قصيرة ومدوّنة، تنشر بشكل دوري في مدونتها الخاصة: محاولات، وصدر لها كتابين، مجموعة قصصية معنونة ب ( 3 ) والثانية بعنوان ( بيت ذو ست عائلات ). يمكن متابعة حسابها على منصة إكس sarahaljerisi@

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2025. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page