تعدد القراءات بين جدلية المعنى والانفتاح على التأويل
ناديا كعوش
في عالم الأدب يُعد النص الأدبي كيانًا حيًا ينبض بالحياة من خلال تفاعله مع القرّاء والنقّاد فمنذ لحظة خروجه إلى العلن يتحول النص إلى مساحة مفتوحة للتأويل حيث تتعدد القراءات وتتنوع التفسيرات، مما يثري العمل ويمنحه أبعادًا جديدة تتجاوز نية الكاتب الأصلية.
النقد كقراءة على قراءة
النقد الأدبي ليس مجرد تحليل لغوي أو تفكيك بنيوي للنص بل هو فعل تأويلي يُعيد قراءة العمل من منظور جديد قد يتفق أو يختلف مع رؤية الكاتب أو القراءات السابقة، وهذا التعدد في القراءات لا يُعدّ تشويشا على المعنى بل هو دليل على غنى النص وعمقه وقدرته على إثارة التساؤلات وفتح آفاق فكرية وجمالية متجددة، فالقارئ حين يمارس فعل القراءة النقدية لا يكتفي بفهم ظاهر المعاني بل يغوص في طبقات النص محاولًا استنطاقه وكشف ما هو خفيّ خلف العبارات. النقد إذًا ليس موقفًا جامدًا تجاه النص بل هو حوار حيّ ومستمر، تتغير فيه الزوايا بتغير الخلفيات الثقافية والمعرفية وبتبدّل الزمن وسياق التلقي، وهذا ما يجعل النقد الأدبي رافدًا حيويًا لحياة النص ومجالًا خصبًا لإعادة التفكير في المعاني والرموز والأساليب.
الكاتب وتقبّل النقد
على الكاتب أن يدرك أن النقد، سواء أكان إيجابيًا أم سلبيًا، هو شكل من أشكال الحوار مع نصه، فالعمل الذي يثير الجدل ويحفّز القراءات المتعددة هو عمل حيّ، يستمر في الحياة ما دام يُقرأ ويُناقش، أما النص الذي لا يثير أي ردود فعل، فيبقى حبيس اللحظة التي كُتب فيها، فعلى سبيل المثال واجهت رواية "الحرافيش" لنجيب محفوظ انتقادات حادة من بعض النقّاد الذين رأوا فيها خروجًا عن المألوف وتناولًا جريئًا لموضوعات السلطة والعدالة الاجتماعية، إلا أن الرواية سرعان ما أصبحت من أبرز أعمال محفوظ واعتُبرت ملحمة إنسانية تعكس صراع الإنسان مع القدر والسلطة والهوية.
ومثال آخر من رواية "لوليتا" لفلاديمير نابوكوف، عند نشرها عام 1955 أثارت جدلاً واسعًا بسبب موضوعها الحساس، حيث تناولت العلاقة بين رجل في منتصف العمر وفتاة قاصر. ورغم الانتقادات الشديدة، أصبحت الرواية من كلاسيكيات الأدب العالمي واعتُبرت دراسة نفسية عميقة في الهوس والجمال والبراءة.
كذلك رواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد والتي تُعد من أكثر الأعمال إثارة للجدل في الأدب الإنجليزي. فبينما اعتبرها البعض نقدًا لاذعًا للإمبريالية الأوروبية، رأى آخرون فيها تصويرًا عنصريًا لأفريقيا وسكانها وقد ساهم هذا الجدل في إبقاء الرواية محورًا للنقاشات الأدبية والثقافية حتى اليوم. ومن الأمثلة أيضًا رواية "مئة عام من العزلة" لغابرييل غارثيا ماركيزالتي أحدثت ضجة عند صدورها لما تحمله من رمزية كثيفة وسرد غير تقليدي يعكس عبثية التاريخ ودوائر العنف والسلطة في أميركا اللاتينية، وقد تباينت الآراء حول بنيتها المتاهية ولغتها الغرائبية، لكنها تحولت مع الوقت إلى علامة فارقة في الأدب العالمي.
ولا يمكن إغفال رواية "1984" لجورج أورويل التي لم تُستقبل في بداياتها بحفاوة كبيرة من قبل النقاد والقراء بل اعتبرها البعض مبالغة سوداوية في نقد الأنظمة الشمولية، غير أن تعاقب الأحداث السياسية وتكرار مشاهد الرقابة والتزييف جعل من الرواية نبوءة أدبية مرعبة تُستعاد كلما تجددت أساليب القمع والمراقبة في العالم. النص الذي يثير الجدل والقراءات المتعددة يظل حيا ومتجددا، أما الذي لا يحرك ردود أفعال القراء فيموت في لحظة كتابته.
النص الأدبي كمرآة متحركة
ولعل من الجدير بالذكر أن تفاعل القرّاء مع النص لا يتم فقط من خلال النقد الأكاديمي أو المقالات التحليلية، بل يمتد ليشمل التلقي الشعبي والمراجعات الفردية وحتى النقاشات التي تدور في المقاهي ونوادي القراءة والورش الأدبية والمحاضرات وعلى منصات التواصل الاجتماعي، فالقارئ العادي حين يُعبّر عن رأيه في عمل ما يُضيف هو الآخر طبقة من التأويل لا تقل أهمية عن قراءة الناقد المتخصص.
وفي زمن تتداخل فيه الأنواع الأدبية وتتشظى فيه الأجناس بين الرواية والسينما والفن البصري، أصبح النص الأدبي مجالًا تفاعليًا يتجاوز حدوده التقليدية. يمكن أن نجد الآن أعمالًا أدبية تُقرأ من خلال العروض المسرحية أو الأعمال التشكيلية أو حتى الفيديوهات التحليلية على الإنترنت. هذا الامتداد في طرق التلقي يعيد تشكيل فهمنا للنص ويجعل منه كيانًا حيًا يندمج في نسيج الحياة اليومية، وهذا ما يجعل النص الأدبي كائنا تفاعليا يتجاوز حدود الورق ويعيش في الوعي الجمعي ويتحول إلى مرآة تعكس هواجس العصر وأسئلته. إن هذا التفاعل الجماعي مع النص يمنحه طاقة متجددة، ويُسهم في تشكيل ذاكرة ثقافية مشتركة حوله، تُعيد إنتاج معناه جيلاً بعد جيل.
في الختام
إن تعدد القراءات والتفسيرات للنص الأدبي هو دليل على حيويته وعمقه وعلى الكاتب أن يرى في النقد إيجابيا كان أم سلبيا فرصة للحوار والتفاعل وليس تهديدًا لعمله. في النهاية، النص الذي يُثير الجدل ويحفّز التفكير هو النص الذي يستحق أن يُكتب ويُقرأ.
ناديا كعوش كاتبة مهتمة بشؤون الأدب والنقد الأدبي. يمكن متابعة حسابها على منصة إكس @nadiakawash