top of page

المنسيّون بين ماءَيْن للكاتبة البحرينيّة ليلى المطوّع: أدب ما بعد الذاكرة

عماد الدين موسى


رواية
٤٢٩ صفحة
الطبعة الأولى 2024
دار رشم للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية

تكتب الروائية البحرينية ليلى المطوّع عن العالم من الداخل، من مناطق التشقّق والفراغات المُهملة، فتصوّر شخصياتها ككائناتٍ تتحرك داخل دائرة الحبكة، كأنها عالقة في فضاءٍ لا نهائي، تتقاذفها شظايا الذاكرة وارتباكات الهوية. تعبر بالسرد من النثر إلى الشِعر، ومن الحكاية إلى التأمّل، ومن الحدث إلى الهامش، فيبدو نصّها أشبه بضوءٍ خافت يتسرّب من تحت بابٍ موصد؛ ضوء لا يُنير المكان كلّه، لكنه يُغريك بالاقتراب. أسلوبها، يتحدّى القراءة السريعة، ويستدعي قراءة متأنية قائمة على الغرق الحسي والتأمل الذهني في آن واحد.
تميلُ كتاباتها إلى زلزلة البنية السردية الكلاسيكية، عبر الصدمة والتفكيك السطحي، أو من خلال اشتغالٍ عميق على البنية الداخلية للوجع، حيث تكتب لتُلامس الأعماق التي يصعب البوح بها، كما تتكئ على هشاشةٍ متعمّدة، وهندسة دقيقة للفوضى العاطفية، كأنما تمارس السرد بوصفه فنّ الانتباه لما يجري خلف الكواليس، بعيداً عن المشهد الظاهر.
من هنا، يأتي عملها الروائي الأحدث "المنسيّون بين ماءَيْن"، الصادر عن دار رشم في الرياض (2024)، كامتداد لمشروعها الجمالي؛ حيثُ يتحرّك النصّ في فضاء مائي كثيف، تتداخل فيه اللغة مع الإحساس بالغرق والبحث عن نجاة مؤجلة.
تعالج الرواية علاقة الإنسان بالبحر بوصفها علاقة وجودية مركبة، وتضيء أثره في تشكيل الذاكرة الجماعية لسكان جزيرة "أرض الخلود"، حيث يتماهى الإيقاع اليومي مع حركة المد والجزر، ويتحوّل البحر إلى عنصر مؤسس للوعي الجمعي.
تستكشف الرواية سيرة الماءَيْن، أو البحرين: المالح والعذب، وتُبرز كيف يصوغ البحر إيقاع الحياة اليومية ووجود السكّان بين مده وجزره. تتفرّد الكاتبة في تناولها خصوصية البحر الثقافية وطقوسه وأنماطه الحياتية، مقدّمةً سرداً يتداخل فيه التاريخ بالأسطورة وتمتزج الحكاية الشعبية بالتخييل، مما يخلق نسيجاً روائياً لافتاً يُعيد تشكيل الذاكرة الجمعية في صورة متجددة.

بين الغرق والانبعاث
تكتب ليلى المطوّع، (من مواليد المحرق، 1987)، بلغةٍ عالية الحساسية، تتجاوز الزخرفة والاستعراض إلى بناء نسيج روائي شديدة الحيوية، يتشقق مع كل فقرة، كاشفاً ما تحته من آلامٍ متجذّرة. تتسلل الاستعارات في نصها بانسيابية، كما يتسرّب الماء من بين الأصابع، فتتحول اللغة إلى فضاء بديل يحتضن ما تعجز الأمكنة الواقعية عن احتوائه.
يحمل عنوان الرواية "المنسيّون بين ماءَيْن" كثافة دلالية عميقة، حيث تتقاطع فيه ثنائيات متعددة: ماء الولادة وماء الفقد، ماء الذاكرة وماء الغرق، ماء الوجود وماء الغياب. تتشكّل من هذه التقابلات صورة هوية تبحث عن توازن هش فوق سطح متحرك، في محاولة مستمرة للطفو وسط احتمالات الانجراف.
تزخر الرواية بصور مائية غنية بالرمزية: البحر، الطوفان، الغرق، السمك، وكلها تحيل إلى هشاشة الكائن الإنساني أمام قوى الوجود. يتحول الماء إلى رمز متعدد الطبقات، يحمل دلالات التطهير والمحو والانبعاث، ويؤسس لفضاء روحي تتقاطع فيه التجربة الفردية مع البعد الكوني.
أما الشخصيات، فتتشكل بوصفها أطيافاً مائية، كائنات تتلاشى حدودها بين الولادة والذوبان، مما يمنح النص طابعاً حلمياً يقترب من تخوم الهذيان. تتخذ الرواية في هذا التشكيل، مساراً أقرب إلى كتابة سريالية ذات حس شرقي، تعيد صياغة المأساة عبر أدوات الحلم والرمز.
تغدو الذاكرة محوراً سردياً مركزياً، وتظهر كقوة فاعلة تعيد تشكيل الذات من شظاياها. تمضي أبعد من استحضار الماضي، لتباشر فعل الخلق، دافعةً الشخصيات نحو مصائرها عبر حضور متكرر ومراوغ، يتسلل في مفاصل الحكاية ويعيد توجيه مساراتها.

المكان كندبة مفتوحة
يتجسد المكان في الرواية كعنصر فاعل، يتجاوز كونه إطاراً للأحداث ليغدو أثراً غائراً في الجسد السردي. القرية، البيت، البحر، السفن، جميعها تتحوّل إلى أرشيف للألم، ويبرز إلى جانبها فضاء "اللامكان" بوصفه مجالاً مفتوحاً للأسئلة الوجودية المرتبطة بالهوية والانتماء، حيث تتكثف تجربة الضياع بعد الغرق.



تنخرط الرواية في مساءلة للهوية كتجربة إنسانية محضة تتجاوز حدود القوميات والأديان الضيقة. يشير "المنسيّون"، كما توحي الرواية، إلى فئة من البشر الذين سقطوا خارج سجلات الاعتراف، فصاروا هامشيين في السرديات الكبرى، مكتوبين على هامش التاريخ. ومن هذا المنطلق، يتحول النص إلى فعل مقاومة يستعيد حضور هؤلاء عبر الكتابة، ويمنحهم مساحة للظهور داخل الذاكرة الجمعية.
تحضر الكاتبة بوعي أنثوي يلتقط هشاشة الكائن الإنساني في حالاته المختلفة، حيث يتسع التعاطف ليشمل كل من تقطعت به سبل الانتماء. ينبثق من هذا الحس طاقة خفية قادرة على إعادة تشكيل الذات عبر الحفر في طبقات الألم، وتحويل الانكسار إلى إمكانية جديدة للوجود.
تنتمي رواية "المنسيّون بين ماءَيْن" إلى أدب ما بعد الذاكرة، حيث يتجاوز السرد حدود الحكاية ليغدو ممارسة وجودية تستعيد الكينونة المهددة بالغياب. تكتب ليلى المطوّع وكأنها تنقّب في أعماق البحر بحثاً عن أثر الغرقى وعن ذاكرة مطموسة تنتظر من يعيد صياغتها. هكذا يتشكل النص بوصفه نشيداً هادئاً لأولئك الذين ما زالوا يطفون بين ماءين، في فضاء مفتوح على احتمالات البقاء.


عماد الدين موسى كاتب سوري.

© All Rights Reserved. Sard Adabi Publishing House 2026. جميع حقوق النسخ محفوظة لدار سرد أدبي للنشر©

bottom of page