رواية، منشورات المتوسط 

 ترجمة: يوسف وقاص، خالد سليمان الناصري

 ٢٩٦ صفحة

 

بعد أن تميّز الكاتب والصحفي الإيطالي (جوزبّه كاتوتسيلا) في روايته (لا تقولي إنكِ خائفة)، والتي عرض فيها سيرة العداءة الصومالية (سامية)، يأخذنا في روايته (لكنك ستفعل) إلى الجنوب الإيطالي الذي ينتمي إليه ويحبه، ليسرد لنا من داخله تفاصيل حياة بطل الرواية الطفل (بييترو).

     يغلب على الروايات التي تُحكى على لسان طفل بأن يعلو صوت سرده للأحداث من زاوية عفويته، وبساطة أسلوبه، وشمولية نظرته للعالم من حوله، وتطفّله على عالم الكبار من خلال الانصياع لفضوله الذي يعلمه شيئًا جديدًا، أو يؤدي به إلى الوقوع في أمرٍ لا يجدر به معرفته أو فعله!، وقد يواكبهم ويتفاعل معهم وربما ينتقدهم في أحوال أخرى. هُنا يحدثنا بييترو عن فترة معيشته في قرية أريليانا التي فيها "خمسون منزلًا من الحجارة ومئتا نسمة"، جاء إليها هو وأخته نينا لقضاء الصيف مع جدّيهما بعد أن فقدا والدتهما.

     ألاحظ في الأدب الإيطالي أنه يُعنى بالعمق الإنساني في أبسط أحواله وأعقده، وتأملات النفس في ذات الراوي: "أحيانا تنتابني رغبة بأن أكون كما أنا، أن أشعر بنفسي صغيرًا وكبيرًا جدًّا في آن معًا"، وفي المحيط من حوله، والغوص في الأحداث الاجتماعية والتفاعلات فيما بينهم. وفي هذه الرواية يتمثل جليًّا أن الإنسان ابن بيئته، إذ يعبّر بييترو -بطل الرواية- عن الطبيعة الإيطالية المحيطة به وانسجامه معها، يحب من القرية دكان جدّته الجميل، ويجد في ضوء الشمس أمله وإشراقته وقوته: "كنتُ أكثر شجاعة في ضوء الشمس، لم ألحظ من قبل ما تهبه الشمس من شجاعة"، تأمله أحوال كبار السن بدءًا من جدّه حين يجلس وحيدًا: "من يدري ماذا يفكر العجائز؟ لربما يشعرون بالحزن عندما يرون الأطفال لأنهم يتغيرون باستمرار، بينما هم يبقون على حالهم دائمًا"، شعوره تجاه مجالسة العم سلفاتور ومداومة قراءة الرسائل له بأن: "صحبته مجدية على الدوام، وفيها الشفاء من مخاوفي".

     واقع بييترو في القرية جعله يقف على أطراف أصابعه ليتطلع إلى أحوال الكبار ومعاشرتهم عن قرب، وفضوله في استكشاف القرية والتجول فيها أخذه لاكتشاف الغرباء المهاجرين المختبئين في البرج، والذين أثاروا الاستنكار والنفور في نفوس مجتمع القرية بين رافض لهم وغاضب لتواجدهم، حمّلوهم سوء الحال الذي ألمّ بهم من فقد لأراضيهم ومزارعهم بعد أن نهبها منهم العم روكّو وعرّضهم للجوع والفقر.

"بعد أن سبقتنا أمنا في درب الحياة ولم تعد تعيش معنا، بل أمست في مكان أجمل، حيث ينعم الجميع بالسعادة، طرأ بعض التغيير على كل شيء"، إذ إنها "بدلًا من تواجدها في الخارج، باتت تعيش داخلنا".

جرّاء فقد بييترو لوالدته، يمر بمشاعر الحزن والأسى التي كانت تحثّه على رفض وصف معلمته له بأنه يتيم، مما أعطاه شعورًا فظيعًا، "ليس للأمر بحدّ ذاته، ولكن لوقع الكلمة"، محاولًا تعويض مشاعر الفقد بالاحتفاظ بقصاصة صورة أمه، يحملها في جيبه حنينًا وذكرى، حتى وجد قصاصة أخرى مكملة لها، مختومة برسالة صاغتها له، أشرقت منها الحياة أمام ناظريه، وتسللت إلى داخله: "سوف يعلمونك ألا تشرق، لكنك ستفعل."


لكنّك ستفعل

الكاتب: جوزِبِّه كاتوتسيلا

معاينة: ندى الصاعدي

ندى الصاعدي، باحثة ومتخصصة في الصحافة، كاتبة مقالات صحفية ثقافية، تويتر @nada20as