top of page

قصور ذاتي


سقط الصاروخ على رأس إبراهيم ففتح عينيه. كان حلمًا أقرب للحقيقة، وقف فيه ساكنًا ينظر لأعلى وينتظر دون حركة. عندما أفاق بعد أن تفتت جسمه من الصاروخ في الحلم، لم يخف أو ينتفض من فراشه أو يرتعش مثل كل مرة يرى فيها كابوسًا. فتح عينيه فقط ونظر لحظة إلى سقف الحجرة ثم نهض.
أكثر من مرة يحلم بأنه يسير في شارع أسفل كوبري أو عمارة تحت الإنشاء، ثم يسقط عليه شيء من السماء: حجر ثقيل، طبق استقبال. حلم حتى أن طفلاً سقط عليه من السماء، أسقطه أرضًا ثم زحف على الرصيف مبتعدًا. لكن هذه أول مرة يحلم فيها بصاروخ كامل يسقط عليه من الفضاء، صاروخ مشتعل بعد اختراقه الغلاف الجوي، لم يتركه حتى جثة كاملة، فتته في لحظتها.
ذراته بعد التفتت سكنت، وارتاح للحظات قبل أن يستيقظ. وعندما عاد إلى النوم حاول استعادة نفس الشعور لكنه فشل. نهض أخيرًا، اغتسل، شرب كوبًا من الشاي، ارتدى ملابسه، تيشيرت أزرق وجاكيت برتقالي، ثم خرج إلى عمله.
يقع بيته في الطابق الأرضي في البناية المواجهة للمحل، ما عليه سوى عبور الشارع، فتح الباب الجرار، وجلس خلف الكاونتر العالي أمام جهاز الكمبيوتر. يحب الكاونتر لأنه يخفي جسمه الممتلئ، لا يظهر منه سوى شعره الخشن ونظارته وربما طرف أنفه. لا ينهض إلا لو طلب أحدهم مساعدته في كتابة ورقة على برنامج الوورد أو إعداد سي في أو نقل ملفات بعينها من فلاشه. غير ذلك يكتفي بالجلوس ولعب ألعاب الفيديو أو مشاهدة فيلم لتارانتينو.
اختاره عم صبحي لإدارة المحل بعد أن اكتفى بالثانوية العامة ولم يعد يفعل شيئًا. يظل جالسًا في شباك البيت على الكنبة الوحيدة يتأمل المارة. سأله عن سبب بقائه في البيت فلم يرد، سأله إن كانت أمه رفضت التحاقه بالكلية فلم يرد. يعيش وحيدًا منذ زواج أمه وانتقالها لبيت زوجها في نهاية الشارع، رفض زوجها الجديد أن ينتقل للعيش معهما فتركته وحده منذ عمر الثالثة عشر. في البداية، كانت تمر عليه كل يوم، تحضر له الطعام أو تنظف الشقة، بعد ذلك تباعدت الزيارات، وعندما حملت وأنجبت انقطعت زياراتها تمامًا، حاول هو زيارتها عدة مرات فلم يُسمح له بالدخول، يظل واقفًا على باب الشقة أمام أمه لتمنحه بضعة جنيهات أو تطلب منه السماح بعينين تنظران في الأرض، بينما يقف زوجها خلفها يستعجلها للدخول وإغلاق الباب.
في المرة الأخيرة فتح زوج أمه الباب وأخبره أن أمه نائمة هي والطفل ولا يريد إزعاجهما، نظر خلف كتفه فلمحها تقف منزوية في ركن الصالة. ظل واقفًا مكانه ينظر إلى الرجل نظرته الخاوية، لكن الرجل دفعه في صدره بإصبعيه السبابة والوسطى.
-امشي..أمك مش فاضية
دفعه ثلاث مرات حتى آلمه صدره، ربما آلمه قلبه أسفله، اصبع الرجل ترك علامة كأنها حرق في موضع القلب، اندهش من العلامة وتساءل إن كان الرجل دفعه بعقب سيجارة مشتعلة؟ لكن قميصه البالي من فوقها لم يكن مخرومًا، ظلت العلامة مكانها لكن دون ألم، تحولت إلى وحمة ربما، وحمة على كبر.. لم يندهش لأنه في هذا اليوم ولد من جديد، ولد بلا أم ولا أب، وحده في بيت ضيق خالٍ، يقتات على بقايا طعام الجيران التي تمررها عليه نساؤهم وهن ينظرن له نظرات مشفقة، أو يشارك عم صبحي وجبة غداء ترسلها زوجته في عامود طعام معدني.
طلب منه عم صبحي ألا يحزن، لكنه لم يكن حزينًا، لم يحزن قط، لم يفهم حتى ما هو الشعور بالحزن. مات أبوه في العاشرة فشعر أن شيئًا ضخمًا قد حدث، توافد المعزون وصراخ أمه وبكاء النساء جعلوه يدرك أنه فقد شيئًا كبيرًا. لكن بعد أيام انتهى كل شيء. عادت الحياة كما كانت، لم تتوقف بسبب موت عابر مثل موت أب.
كان يذهب إلى المدرسة ويعود سيرًا على القدمين، وحيدًا بلا أصدقاء، قليل الكلام، بنظارات ملحومة من المنتصف والذراعين، وكيس يضع فيه كتبه المستعملة، لا تنهض أمه لتفطره أو تعد له الساندوتشات كما يحدث مع بقيّة الأولاد في المدرسة، من خلال ملاحظاته المستمرة لما يحدث حوله أيقن أن حياته مختلفة، وأن عليه التأقلم مع كل ما يحدث بلا اعتراض أو مشاكل.
بعد عامين تزوجت أمه، أخبرته أنه صار رجلًا وعليه أن يعتني بنفسه، وأنها ستزوره كل يوم، بيتها ليس بعيدًا لكنها لن تستطيع البقاء وحيدة تتناثر الأقاويل حولها، أقاويل يعرف أنها ليست كلها افتراءات، في أوقات كثيرة كان يعود من المدرسة ليجد سجائر في المنفضة، أو بقايا طعام وأكواب شاي وربما قطعة ملابس غير مألوفة. لكنه يصمت ويتأقلم، لا يريد سوى الاستمرار في حياته لسبب لا يفهمه تمامًا، لا رغبات لديه ولا أفكار، ربما استمرار بفعل القصور الذاتي الذي درسه في مادة العلوم، قصور ذاتي يدفع الصاروخ للاستمرار في الارتفاع بعد اختراق الغلاف الجوي، والأقمار الصناعية في الدوران حول الأرض.
كان يحب مادة العلوم، وأي شيء يتعلق بالفضاء. في الثانوية العامة برع في الفيزياء والكيمياء. يجلس طوال اليوم لحل المعادلات كأنها فوازير مسلية، مسائل الفيزياء تحل بسهولة أمام عينيه، لم يكن بحاجة لحفظ القوانين، يجدها واضحة في ذهنه بلا مشاكل، لكنه لم يحب اللغات كثيرًا العربية والإنجليزية والفرنسية أنقصوا مجموعه، لكنه كان مرتفعًا رغم ذلك، لم يكن من أوائل الجمهورية ولم يحصل على منح مجانية، لكنه كان قادرًا على الالتحاق بكلية العلوم كما يحب، ورغم ذلك بقى في بيته جالسًا في الشباك، يتابع زملاءه في طريقهم لمكتب التنسيق لتقديم ملفات الرغبات، ويتابع تكالبهم على مكتبة عم صبحي للدخول على الإنترنت من الكمبيوتر القديم فيها، ومعرفة الكليات التي التحقوا بها، دون اهتمام كبير.
لم يمر على أمه حتى لسؤالها، لم يمر منذ سنوات، كانت تمر هي من أمامه أحيانًا، تتوقف أمام الشباك وتنادي عليه، في كل مرة يراها تؤلمه الوحمه فوق قلبه، بعد رحيلها يجدها احمرت أكثر، لا تهدأ إلا بعد ساعات طويلة، صار يتحاشاها، يتظاهر أحيانًا أنه ليس في المنزل عندما تنادي، وأحيانًا يظل ينظر إليها دون رد، بفمه المفتوح وعينيه الجامدتين حتى ترحل.
سأله صبحي عن سبب عزوفه عن التعليم، رغم شطارته وسرعة تعلمه، كان هو من ساعده في تركيب الكمبيوتر داخل المكتبة وتوصيله بالطابعة والسكانر لتتحول المكتبة من مجرد محل خردوات وتصوير مستندات إلى مكتب يطبع فيه الأبحاث لطلبة الكليات أو ينقل لهم الملفات أو يدخل حتى النغمات والأغاني على أجهزة المحمول. لا يعرف متى ولا أين تعلم إبراهيم التعامل مع الكمبيوتر لكنه وجد نفسه يعرف عنه كل شيء، لم يملك إبراهيم أي إجابات، أو ربما كان يعرف في داخله أنه لن يستطيع المواكبة، لم يستطع أن يرتدي مثل طلبة الجامعة، ولا شراء الكتب والملازم مثل التي يساعد عم صبحي في تصويرها في المحل، ولا إعداد الأبحاث ولا تبادل النقاشات ولا الاختلاط بالبنات ولا ولا..
اكتفى بالبقاء خلف الشباك يتابع العالم، يرصد الحركات والعلاقات والخناقات والسيارات وشكل البيوت التي تنهدم وتبنى وتزداد وتتلوّن وتتشقق وتتكاثر وتختفي. يتأمل السماء ويتابع النجوم التي تظهر وتلمع وتللألأ وتتوهج وتتلاشى، يساعد عم صبحي في المحل أحيانًا، وأحيانًا لا يخرج حتى من البيت ولا يفتح الشباك، يظل متجمدًا في السرير لا يأكل ولا ينقص وزنه، ثابت جدًا في مداره، هادئ كما كان طوال عمره.
عرض عم صبحي عليه العمل بشكل دائم، أخبره أنه كبر وعجز وبحاجة للراحة، أوكل إليه كل مهام المحل من فتحه في الصباح حتى غلقه في المساء، ومنحه الصلاحيات اللازمة لتجديده بما يراه مناسبًا، لم يجد سببًا للرفض ولا الموافقة لكنه استسلم للأمر، ووجد نفسه يملك سلسلة مفاتيح ثقيلة، ومرتبًا شهريًا لا بأس به، وعائدًا يتكوّن في درج المكتب كل مساء مسموح له بالإنفاق منه على المحل وتجديده.
غيّر الكمبيوتر لآخر أحدث، ونقل القديم خلف كاونتر اشتراه من سوق الاثنين ودهنه وورنشه بنفسه، ملأ الفاترينه الزجاجية ببضاعة جديدة، سماعات حديثة وأجهزة ماوس ولوحات مفاتيح وجميع مستلزمات الكمبيوتر، أعلن على يافطة أمام المحل أنه يقدم خدمات إعداد الأبحاث وطباعة بالألوان وصيانة الأجهزة و تحميل البرامج، وغير اسم المحل من مكتبة المحبة إلى مكتب برنتر لخدمات الكمبيوتر. التحسينات نالت إعجاب عم صبحي، وكل قرش أنفقه إبراهيم استعاده من عائدات الخدمات التي يقدمها المحل، ارتاح في بيته واكتفى بالمرور كل يومين مساء ليجلس معه يشربا الشاي ويدخنان، وفي نهاية كل أسبوع يحمل له إبراهيم الإيراد كاملاً.
ذات يوم، جاءته فتاة لطباعة صور من سي دي تحمله، كانت صورًا لمناظر طبيعية وبيوت قديمة وتماثيل غريبة، أخبرته أنها طالبة في كلية الفنون الجميلة تحضر بحثا عن حياة مايكل أنجلو، أعجبه تمثال للسيدة العذراء لم يره من قبل، تجلس على مقعد رخامي وتنظر إلى جسد المسيح نائمًا على قدميها، أخبرته أنه تمثال الرحمة "بيتتا" وأنه للسيدة مريم تحمل المسيح بعد إنزاله من على الصليب مضرجًا في دمه.
احتفظ بنسخة من صورة التمثال وطبعها نسخًا كثيرة بعد رحيل الفتاة، حملها معه إلى البيت، ولصقها على الحائط أمام سريره، لصق نسخًا أخرى في المحل، كان يتأمله طويلًا فيشعر أن الألم المستمر مكان وحمته يهدأ، صورة غريبة جدًا، أو أن التمثال غريب، يحمله إلى عالم آخر ويغرق في أفكار بعيدة، يشعر بأنه يدور في فناء واسع وهادئ، بلا هدف لكنه مرتاح ومطمئن.
سأله عم صبحي عن سبب اهتمامه المفاجئ بالعدرا، ضحك وهو يسأله إن كان سيتنصر أخيرًا وينضم لكنيسته، فهز رأسه نافيًا بقوة، استاء للحظات من السؤال لكنه عاد وابتسم ابتسامته الغريبة التي اعتادها عم صبحي، التي يفتح فيها فمه دون صوت. أخبره عم صبحي أنه يملك نسخة مصغرة من هذا التمثال اشتراها قديمًا من محل أنتيكات، ووعده بأن يأتي بها إلى المحل ما دام يحبها إلى هذا الحد.
في اليوم التالي جلب التمثال ووضعه على المائدة الجانبية فوق سماعة الكمبيوتر.تأمل إبراهيم التمثال من جميع الزوايا، أعجبه الثنيات المنحوتة بدقة، وملمس أصابع يد السيدة مريم حول ظهر المسيح، يدها الأخرى مفرودة وكأنها تسلم أمرها لله، أصابعها طويلة ورفيعة لكنه أيقن بأنها لن تؤلمه أبدًا.
حرص إبراهيم على تنظيف التمثال كل يوم. في الصباح يلقي عليه التحية ويودعه مساءً كأنه شخص حقيقي، رأى عم صبحي مرة وهو يقبل أصابعه ويمسه بها فصار يقلده أحيانًا، وعندما حضرت فتاة فنون جميلة مرة أخرى لطباعة بعض الأوراق أبدت إعجابها الشديد به، قالت بأنها نسخة جميلة ومتقنة، التقطت له صورة بهاتفها أيضًا.
في ليلة 9 مايو، جلس إبراهيم أمام الكمبيوتر يتابع سقوط الصاروخ الصيني لونغ مارتش 5، كانت قد تبقت ساعات ويخترق الغلاف الجوي ليهوي على منطقة غير محددة منه، ثمّة شيء خفي داخله كان يتمنى سقوطه على شارعه بالذات، ربما على رأسه هو فقط، ليتفتت أو يسقط مضرجًا في دمائه. في نفس اللحظة مرت أمه على المحل وطلبت مساعدته في تحضير بحث ابنها لتقديمه إلى المدرسة الأونلاين، لم تستطع أن تشرح ما هو مطلوب حتى، ألغيت الامتحانات بسبب الإغلاق والحظر بعد الجائحة، وتقرر تقديم أبحاث للمدرسة بدلاً منها، جلس إبراهيم خلف الكاونتر، لم يعرض عليها مقعدًا. كان يعرف المطلوب لأنه فعله لأمهات كثيرات قبلها.آلمته وحمته رغم صورة التمثال أمامه، حرك أصابعه بسرعة على الكيبورد لينتهي وترحل، لكنها ظلت تتحدث عن ابنها ومدرسته وتعبها في مذاكرته، قالت أنه لعبي ولا يذاكر وحده أبدًا، أخبرته أنه كان على عكسه غير متعب وهادئ، كانت تقترب من الكاونتر وهي تتحدث ببساطة كأنها تراه كل يوم فجز على أسنانه من تزايد الألم، وشعر أنه لا يتحمل صوتها ولا رائحتها ولا شكل ابتسامتها ولا عقدة الإيشارب حول رأسها.
صمتت لحظة فاستعاد أنفاسه، استغرق فيما يفعله لينساها، لكن صوتها عاد من جديد ليخترق رأسه:
-مش دي العدرا؟
رفع رأسه إليها، كانت تنظر بفضول إلى التمثال على السماعة، تقرب رأسها منه وتدقق فيه، ثم ابتسمت مستهزئة. قالت أنها تشفق عليه من جلوسه الدائم في محل النصراني صبحي وتحمله لهذه التماثيل والصور كأنه في كنيسة. وطلبت أن يبحث عن عمل آخر في محل آخر يملكه مسلم مثلهما، محذرة إياه من أن يستدرجه صبحي إلى الكنيسة وينصره ليزوجه ابنته القبيحة ويغريه بالمحل والورث.
نهض إبراهيم من خلف الكاونتر واقترب منها، وقف أمامها تمامًا فنظرت إليه متسائلة، الألم الشديد في وحمته جعله يتعرق، كانت شفتاه ترتجفان ويده مقبوضة جانبه، وكان أمامه خياران، إما أن يدفعها بإصبعيه السبابة والوسطى في صدرها لتغادر المحل فورًا، أو أن يرفع التمثال الثقيل عاليًا ويهوي به على رأسها، ثم يجلس مكانه في انتظار الصاروخ الذي سينهي كل شيء، لكنه لم يفعل، اكتفى بالصمت ووضع ابتسامته البلهاء على شفتيه للحظات حتى أنهى أوراقها، أخذ منها الحساب كما يفعل مع أيّ شخص غريب، ودعته فتمتم ببضعة كلمات وراقبها وهي تبتعد، امرأة مهشمة منحنية الظهر، بخمار متسخ وعباية واسعة، فكر أنها لو استدارت إليه، لو منحته نظرة أخيرة قبل أن تبتعد، سيغيّر رأيه فيها وفي الحياة والعالم، لكنها أيضًا لم تفعل.
في تلك الليلة فكر إبراهيم في حياته كلها، استعاد كل المشاهد والأحاسيس، استعاد شعوره بالألم القديم في صدره، الحرق الذي تبقى منه أثر داكن غريب على جلده من لمسة إصبع زوج أمه، واكتشف أن هذه ليست حياته الحقيقية، أن هذا البيت والشارع والمكتبة مجرد سراب، مجرد موجودات يتحرك في إطارها دون أن يفهم، ودون أن يرى أو يسمع أو يحس.
وقف أمام الخزانة المتكسرة، حتى الخزانة لا تحوي شيئًا، لا شيء له هنا سوى سترتين وبنطلونين وعدة قمصان، وضعها في كيس بلاستيكي أسود، وضع شهاداته وبطاقته وجراب نظارته البالي، راجع الأوراق المالية التي استطاع ادخارها ووضعها كلها في جيبه. ثمّة عام ينتهي وعام آخر قادم، يستطيع فيه أن يبدأ من جديد، يستطيع تقديم أوراقه في كلية العلوم في جامعة بعيدة في مدينة أخرى، ويستطيع أن يعيش في شقة أصغر من التي يعيش فيها، ويستطيع أن يعمل في أيّ مكان، يستطيع أن يبدأ من الصفر كما سيبدأ العلماء من الصفر في بناء صاروخ جديد، يحمل قمرًا جديدًا إلى الفضاء، أو يرسل أشخاصًا آخرين إلى مكان جديد، أو يكتشف حجرًا غريبًا أو حياة مختلفة على كوكب آخر.
لا يجب أن يسقط الصاروخ على رأسه ليفيق، هو بالفعل سقط في اللحظة التي دخلت فيها أمه عليه في المحل، وغادرت دون أن تنظر إليه، سقط خلفه، ودمر حياته السابقة، ومحى كل أحزانه، محى ابتسامته البلهاء وخنوعه ونظرته الثابتة تجاه العالم والأشخاص والشارع، قرر أن يخرج من باب البيت دون أن ينظر خلفه. هذه المرة نفذ قراره، خرج من البيت متجهًا إلى المحل، فتحه ووقف داخله ينظر إلى كل شيء، وقف أمام تمثال العدرا ورفع ذراعيه إلى جانبيه، أمال رأسه قليلاً وثبت مكانه، ثبت حتى اختفى الألم من صدره، ثم أنزل ذراعيه، حمل التمثال ووضعه في الكيس، قبل أن يغادر، رفع قميصه ليلقى نظره على وحمته، وجدها قد اختفت.



في عام 2015 كتبت كاتبة ما قصة قصيرة عن فتاة تحطم تمثالًا للسيدة العذراء في مكتبة تصوير مستندات في شارعها القديم، المكتبة اسمها مكتبة المحبة، وصاحبها، عم صبحي، رجل لطيف يداعبها أحيانًا ويهديها أحيانًا حبات البونبوني بنكهة الشمام. تهرب الفتاة بعد تحطيمها التمثال، وتنتقل العائلة لشارع جديد وبيت جديد، فترتاح الفتاة التي تشعر بالذنب لكسرها تمثال العدرا، ومن خوفها أيضاً لفكرة ساذجة راودتها بأنها ربما أشعلت فتنة بين المسلمين والمسيحين. بعد سنين تعود إلى الشارع القديم فتجد محلاً للكمبيوتر بدلاً من المكتبة، وشاب أسمر ممتليء بنظارات يجلس خلف كاونتر عالي بدلاً من عم صبحي، يخبرها أنه توفى، لم يترك سوى علبة فيها التمثال الملصوق بلاصق أخضر، وبعض حبات البونبوني.
الشاب الأسمر كان شخصًا حقيقيًا قابلته الكاتبة عدة مرات، وتحدثت معه وعرفته جيدًا، شاب هاديء ومسالم لطالما ساعدها في طباعة أبحاث الكلية، وأبدى إعجابه بتمثال الرحمة لمايكل أنجلو حتى أنه احتفظ بنسخة من الصورة لديه، بعدها وجدت نسخة من التمثال في المحل فأخبرها أن صاحبه المسيحي هو من أتى بها. هو أيضاً من ساعدها في إعداد أول سي في، وإلى اليوم يحمل حاسبها المحمول نسخة برنامج الفوتوشوب التي وضعها لها بنفسه، الملف يحمل اسمه، وذاكرتها لا تزال تذكر جيدًا صوته وطريقته في الكلام وحركة أصابعه القصيرة الممتلئة على لوحة المفاتيح.
بعد عام واحد، سيقتل هذا الشاب أمه في المحل الذي يعمل به، ثم يستسلم للمارة الذين سيضربونه حتى تغطي الدماء وجهه، ثم سيحبسونه في المحل إلى أن تصل الشرطة وتلقي القبض عليه. لن يدلي بأسباب، يقول الشهود أنها مرت عليه في المحل بشكل معتاد، وأنه لا يعيش معها منذ زمن طويل. تزوجت وتركته صغيراً لكنه أبلى بلاءً حسناً ودرس واشتغل وكان هادئًا ومهذبًا، لا يعرفون لماذا ارتكب جريمته ولماذا لم يقل أسبابًا.
لم تعرف الكاتبة هذه القصة إلا بعد خمس سنوات، بعدما اكتشفت منشورًا على الفيسبوك لصفحة "طنطا الآن" يحكي فيه واحد من المارة الحكاية، حتى أنه يضع صورة للشاب جالسًا على الأرض، تغطي الدماء وجهه، وينظر إلى اللا شيء، مستسلمًا تمامًا، هادئًا ولا يبدو حتى نادمًا على ما فعل.
اقشعر جلد الكاتبة، لأنها في نفس اليوم صباحًا تذكرت الشاب وهي تتابع أخبار سقوط صاروخ على كوكب الأرض، ومخاوف العلماء من أن يسقط على منطقة مأهولة بالسكان، شعرت بأن الصاروخ ربما سيسقط على هذا الشاب، أو أن الشاب والصاروخ يشتركان في شيء ما، ربما الدوران بالقصور الذاتي، ثم الخروج فجأة عن المدار، والسقوط والتفتت والتلاشي بلا سبب، أو بسبب لا يعلمه سواهما. شعرت أيضًا بمشاعر غريبة ومرتبكة، لأنها ذات يوم عرفت قاتلا، وتحدثت معه وضحكت معه وربما صافحته أو لمست يده وهي تناوله النقود أو تتناول منه الأوراق، واندهشت لأنها وقفت معه وحدها مرات عديدة داخل المحل، فكرت أنها من منحته فكرة التمثال الثقيل الذي يصلح كأداة جريمة، وأنها بنفسها من سمحت له بالاحتفاظ بنسخة من صورة ربما كانت طرف خيط ليحصل على التمثال مدعياً أنه تمثال صاحب المحل.
في هذا الصباح أُعدم الشاب بسبب جريمته بعد تأجيلات كثيرة، نُفذ الحكم في سجن طنطا وتلاشى الشاب كما كان يحلم، ربما بدأ في التفتت منذ أن حضر الضباط ليصحبوه من الزنزانة إلى غرفة الإعدام، بدأ التفتت من موضع الوحمة فوق القلب ثم امتد إلى جسمه كله، آخر ما تفتت كانت عيناه قبل أن يغطيهما القناع الأسود السميك. بعدها شعر بأنه يهوي من حالق، اصطدم بسطح بارد ثم استقرت ذراته على رمال ناعمة، شعر براحة كبيرة وهدوء تام، ولم يعد مضطراً للاستمرار في الدوران أومتابعة العالم.
الفتاة لا تعرف ذلك، لا أحد في الحقيقة يعرف، لأن هذا الحادث لم يأخذ أي أهمية رغم غرابته، ولم يكتب عنه في الجرائد أو مواقع التواصل إلا هذا المنشور الوحيد على صفحة طنطا اليوم، لا يتذكر أحد الشاب الأسمر الهادئ الجالس خلف الكاونتر، أو خلف شباك بيته الضيق المظلم في الطابق الأرضي يتابع العالم، العالم لم يتابع الشاب، لكنه تابع سقوط الصاروخ، وهو يخترق الغلاف الجوي ويحترق تاركاً أثراً متوهجاً في السماء، قبل أن يهوي ويستقر في مرقده الأخير، في الأعماق المظلمة والهادئة للمحيط.
قررت الكاتبة أن تغيّر مصير الشاب في قصة، وأن توقف الجريمة، وأن تجبره على مغادرة المكان، ألا يضطر للتضحية بنفسه حتى لا ينتهي العالم، أو أن يضحي تضحية أخرى بتركه العالم الذي يعرفه والبدء من جديد.. فتحت صفحة جديدة على الوورد، وضعت في أولها صورة التمثال، وكتبت: سقط الصاروخ على رأس إبراهيم ففتح عينيه..

نورا ناجي، صحفية وروائية مصرية، من مواليد طنطا سنة 1987. تخرجت في كلية الفنون الجميلة قسم هندسة الديكور 2008، وتعمل مدير تحرير موقع نواعم النسائي. إلى جانب الكتابة الحرة في عدد من المواقع العربية.
صدرت لها رواية "بانا" عن دار "ليلى"عام 2014، ورواية "الجدار" عن دار "الرواق" عام 2016، ورواية "بنات الباشا" عام 2017، عن دار "أجيال" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة ساويرس فرع شباب الأدباء 2018. ورواية "أطياف كاميليا" عام 2020 عن دار الشروق التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة ساويرس٢٠٢٠ والفائزة بجائزة يحيى حقي ٢٠٢٠. وكتاب الكاتبات والوحدة عن دار الشروق 2020. ومجموعة "مثل الأفلام الساذجة" عن دار الشروق 2022. ورواية "سنوات الجري في المكان" عن دار الشروق 2023. يمكن متابعة حسابها على تويتر@norahsakr



نورا ناجي

bottom of page