إطار

هايدي الحلو

       في العاشرة رأيت صورةً لدراجة في مجلة اختلستها من غرفة أبي. لونها أحمر شديد الحُمرة، وبريقها يكاد يخترق الصفحات التالية. لم أر في حياتي القصيرة مثلها. كان أكثر الأطفال حظًا في حيّنا يمتلك دراجة تعود لأخيه الأكبر، أطُرها اهترأت وبدّالاتها تصدر صوتاً أشبه بالفحيح. احتفظت بالصفحة لنفسي وأعدت المجلة مكانها فانطفأ بريق صفحاتها وكأنما فقدت إكسير شبابها. شهور كاملة لم أملّ أو أتراجع عن مطلبي من أبي، إما الدراجة الحمراء وإما لا دراجة. كنت أغمض عينيّ فأراها خلف جفوني. وفي أحلامي التي أنساها دومًا كنت أفتح عينيَّ واثقًا من حضور لونها الأحمر الوهاج بحلمي. كنت أختلس أعداد المجلات التي يشتريها والداي بانتظام باحثًا عنها في أشباهها. أخبرني أبي بأنها موديل السنة، لن يقدر سوى على شبيهة لها ولكن بإصدار أقدم. حاول إقناعي كثيرًا بأنها لا تختلف عنها الكثير ولكن دون فائدة، لم أتنازل أبدًا. تكاثرت مع الوقت أشباهها في المجلات. قصاصات الورق في كل مكان؛ بجانب سريري الصغير، بداخل كتبي المتراكمة، وفي ذاكرتي وذهني أحفظ أشكالها ومواصفاتها. لم أعد أستطيع التمييز، الإطار هو الإطار والبدّال هو البدّال. أصبحت الدراجة الحمراء حبّي الأول، وأنا عاشق لكل جديد ومجهول، أشتاق لها ولكن أتوق للمزيد.

       بعد سنتين أو ربما ثلاث، صار الكمبيوتر فردًا جديدًا في العائلة. كنت أجلس في غرفتي لساعات أتابع كل جديد؛ كل سيارة جديدة، سيارات السباق، والدراجات البخارية. كنت مهووسًا بكل قطعة صغيرة وبمكانها وأنواعها. صرت أشتري العشرات من سيارات التركيب، وأعيد تركيبها مرات وكأنها المرة الأولى. صارت الغرفة معرضًا صغيرًا لصور الدراجات والسيارات بأنواعها لدرجة تنذر بعدم سلامة عقل صاحبها، حتى وصلت للمرحلة الثانوية ولم أكن سوى الطفل المجنون بالدراجات والسيارات. وقتها لم يكن بالشيء النادر أو الغريب. كان الفصل به مدمني كرة القدم، الطفل ذو الصوت العذب الذي يحاول والداه إثناءه عن الفكرة، القارئ ذو الأربع عيون، وبالطبع المحب الأول للفنان أو الفنانة. لم يكن التعلق بأمر شيئًا يدعو للقلق. بالعكس، ففي مرحلة ما كان هوسنا الأول بمثابة تعريف مختصر لذواتنا، وبالتالي لا داعي لذكر كم الفراغ الذي خبأناه داخل كل منا دون قصد. اعتدنا سؤالين متلازمين: "ما اسمك؟" أو "ما هوايتك؟" أو "وماذا تحب أن تفعل في أوقات فراغِك؟"، أحدهما نجيب عنه دون تفكير، والآخر كان نصفنا يتردد كثيرًا لإجابته، أحب أن أفعل؟ هل المقصد أكثر شيء أحبه، أم كونه لازمني لفترة طويلة كاسمي؟

       في سنوات لاحقة سأعيد الطفل المهووس للحياة. يوم وراء يوم سأختبئ أكثر بداخلي وأعطيه اليد العليا فيصير أنا وأنا هو، الشيء الذي لن يعلم أحد خطأه لسنوات سوى نحن الاثنين بالطبع. في الحديث العابر مع زملائي بالعمل حين يأتي دوري بقول شيء سأتحدث طويلًا ودومًا عن السيارة موديل السنة وأقارن بين مميزاتها وعيوبها، وطبعًا سيهم أحدهم بالسخرية من سيارتي فأعاجله بالرد: "وهل تملك المال الكافي لحضور كل حفلٍ لمطربك المفضل؟"، وحين أخرج بصحبة فتاة سيصبح الفصل حين أسحب سيجارة بثقة وألقي جملتي: "أتعلمين أنني أستطيع قراءة أي شخص من السيارة التي يقودها والسيارة التي يحلم بشرائها؟"

       سأزور غرفتي القديمة يومًا ما، ستبدو في عينيّ ككهف من عصر بعيد. كل صورة وكل مجسّم لسيارة بمثابة درجة في سلم أقف على قمته الآن. سأضحك كثيرًا وأخرج. في القبو حيث اعتاد أبي الاحتفاظ بأشياء تذكره بما لا يريد نسيانه، سأجدها. سأتعرف على لونها الأحمر المميز ثم سأعرف إطارها الصدئ وعجلاتها المفرغة من الهواء، تمامًا كما تركتها حين سئمت منها بعد شهر.

هايدي الحلو طالبة بالفرقة الرابعة كلية الطب، تقرأ وتكتب عمّا تقرأ. تكتب من حين لآخر على مدونتها: Haidy✨ (tumblr.com).