مرآة على الضفة الأخرى 

ولاء تكروني

 

     حتى السماء تعرف الانقسام، فالغيوم الرمادية الثقيلة تهيمن على جانب من السماء فيما تطفو على الجانب الآخر غيومٌ ريشية تستولي على قرص الشمس حينًا وحينًا تتلقفه الغيوم الحالكة. وبدا لهو السحاب هذا أشبه ما يكون بمباراة كرة القدم الدائرة بيني وأقراني في شارع الحي الترابي الطافح بالصيحات المتداخلة. ولا أظن ثم قوة قادرة على فض احتدام تلك المواجهة إلا الدهشة الناجمة عن أمر جديد ومختلف، ونادرًا ما يحدث ذلك فلدى هذا الحي قدرة عجيبة على أن يجعل الغير مألوف مألوفًا في فترة وجيزة.

     كانت شاحنة نقل الأمتعة جاثمة على وسط الشارع أمام صندوق القمامة بعدة أمتار وكنا قد نصبناه مرمى لفريقنا، ولذا كان استكمال اللعب مستحيلًا، واكتفينا بمشاهدتهم ينقلون الأثاث في مشهد جديد عليّ كليًا. إذ أستطيع القول أنه خلال الأربعة عشر عامًا الماضية، وهي مدة إقامتي في هذه الدنيا، لم ينتقل إلينا أحد ولا أجد سببًا لذلك إلا أن الشقق الشاغرة يشغلها في غضون أيام المتزوجون الجدد من أبناء الحي أنفسهم، ولذا انتهى الأمر لأن يمتلئ الحي بالأقارب والمتصاهرين. أما جيراننا هؤلاء فهم غرباء تمامًا فسمعت أن الأب مُدرّس تم تعيينه حديثًا في مدرسة بأحد الأحياء المجاورة واستنتجت أنه الرجل الأسود الواقف مشرفًا على العمال. 

     كان بشوشًا بصورة شجعتنا على مساعدتهم في نقل الأمتعة بعد فترة من المشاهدة الصامتة، وتوقعت ذلك من الجميع إلا ابن عمي صلاح الذي همس باستحقار "هذا الخال جاركم!" ولا أحد ينجو بالمناسبة من استحقار صلاح. أُدرك أن صلاحا طيب ونقي القلب لكنه لا يرضى إلا عن الذين يشبهونه تمامًا لذا فالنساء والسود والحضر والبدو الذين ليسوا من قبيلتنا وبالطبع الطوائف والأديان والمعتقدات الأخرى بعيدة عن أن يشملها احترامه. ولذا أستطيع القول أن كل الذين يرضى عنهم صلاح موجودون في هذا الحي تقريبًا. ونتيجة لذلك غالبًا ما أتجنبه تفاديًا لأي شجار بيننا قد يجعل الحال بين والده ووالدي أسوأ، خاصة وأن الأول لم يقصر مطلقًا في إبداء استيائه من ذكر أمر زواج والدي بوالدتي في كل مجلس. ليتسبب ذلك بشجار كبير نشب بين أبي وجدي انتهى بقطيعة دامت لسنوات. وكنت صغيرًا وقتها إلى حد أني لا أذكر منها سوى الفزع والحزن العميق، فكنت أحب جدي كثيرًا. وحين توفي العام الماضي رفع الرجال والدي المنهار باكيًا عن جثمانه بصعوبة ليتهالك بعدها على الأرض منتحبًا كطفل صغير. وتساءلت في نفسي يومها هل يوجد في الكون ما يستحق أن يتسبب بقطيعة مماثلة؟

     ولعدة أيام أخرى كنا نرى شاحنة نقل الأمتعة في طريقنا إلى المدرسة، لكن الجار الجديد كان يشرف على الأعمال في عطل نهاية الأسبوع فقط. وعلى كل حال اضطررنا إلى نقل مباريات الكرة لشارع آخر كون الشارع لم يخل من شاحنات النقل وشركات التنظيف، ولأن بنايتنا مجاورة لبنايتهم تمامًا. فكنا نسمع إلى وقت متأخر من النهار ضوضاء العمال في الشقة فقد تركها المستأجرون القدامى في حالة يرثى لها حسب كلام أبي الذي دارت بينه وبين الجار أحاديث عابرة. وفي أحد أيام الخميس تأخرت عن صلاح وابني عمي الآخرين عبدالله و تركي في العودة للمنزل من المدرسة، وأفعل ذلك أحيانًا حين لا أطيق ثرثرتهم مع قيض الظهيرة فأحد العذابين كافي. وجدت سيارة الجار واقفة وهو على عتبة باب العمارة فرفعت يدي مسلمًا بصوت جهوري فتبسم وأشار لي بأن أقترب. اتجهت إليه لأبصر ابنه يهبط السلالم ومن الطريف كيف نلتقي بلا مبالاة أشخاصًا سيعنون لنا كثيرًا. كان شبيهاً بوالده في الطول والنحول لكنه لم يأخذ من بشاشته شيء فقد حياني ببرود حين قدمنا والده قائلًا: "محمد هذا ابني عادل." 

     وأشار لمنزلي قائلًا لولده: "منزلهم هنا، ستكونان في نفس المدرسة هذا إن لم يكن في نفس الصف." 

     تبسمت له قائلًا: "منزل مبارك."

     همس بفتور: "شكرًا."

     ومضى ليستكمل نقل الأمتعة. لا أعرف ما الرد الفعلي على ذلك النوع من التهاني، لكنني أستطيع أن أزعم أنه ليس هذا وقطعًا ليس بتلك النبرة. لم استلطفه وقتها بقدر ما استلطفت والده. وحتى حين رأيته في المدرسة بعد عدة أيام، لم أهتم بتحيته ووجد هو في رفقة زميلنا المصري رضا سلوته.

      واستمر الحال على ما هو عليه إلى أن أقعدتني في المنزل حمى ثقيلة لأفاجأ في اليوم التالي بخبر الشجار الطاحن بين أبناء عمي وعادل من أحد الزملاء. صلاح تغيب عن المدرسة ولم أر عادلاً في طابور الصباح الذي اتجه عبد الله وتركي بعده إلى مكتب المدير، ولمحت الجار وعمي حين مروري من الباب. وفي الصف بدأ تدفق التفاصيل.

     الصادم أن ما أشعل جذوة العراك لم يكن لمزات وسخرية صلاح التي دأب عادل على تجاهلها في الأيام السابقة، بل إن عبدالله قال حسب كلام رضا "شايف نفسه العبد."

     واندلع بينهم الشجار ليتدخل صلاح في البداية ليفرقهما ثم ليصبح طرفًا في الشجار. لم يدهشني موقف صلاح إطلاقًا، ولكني أعرف عبدالله وأدرك أنه لا يمكن أن يؤمن بما قاله مطلقًا، ليس فقط لأنه أكثرنا اطلاعا بل لأنه كان يصحح لصلاح في أحيان كثيرة بأن " كلنا عبيدٌ لله" وأن الاستعباد لم يكن مرتبطًا باللون. لذا أجزم أنه لو قالها فقد فعل ذلك استفزازًا لعادل وهذا شيء لا أفهم سببه. والشيء الآخر الذي لم أفهمه هو ضرب عمي المبرح له في مكتب المدير لا لشيء إلا لأنه قال في المدرسة ما يسمعه في البيت دائمًا. عدنا إلى المنزل نهاية اليوم صامتين صمت المقابر وحملت عن عبدالله كتبه فيما أسنده تركي، فشجار البارحة وضرب اليوم كانا أكثر مما يحتمل.

     اختفى عادل لأسبوع كامل بعدها، فدفعني الأمر لأن أسأل رضا عنه ليخبرني بأنه انتقل لمدرسة والده، الذي عدل عن قراره الأول بأن لا يدرس ابنه في ذات المدرسة التي يُدرس فيها، وأظن ذلك الشجار كان كفيلًا بتبديل رأيه. صادفت الجار بعدها مرتين وكانت بشاشته فيهما ناقصة، فعلمت أننا خسرنا مودته بالجُملة ولكن كيف سأعتذر منه على ما لا شأن لي فيه. ذكر والدي أمر الشجار على الغداء ولم يخل كلامه من تحيز لابني أخيه، لذا ضاق صدري وصعدت إلى سطح المنزل. كان الجو غائمًا ولطيفًا بصورة تجعل ذلك محتملًا. اقتعدت السور المنخفض كعادتي لتبدو المنازل البسيطة والحي المتواضع في وداعة حُلم فيّاض بضجيج العابرين.

     لفتني صوتٌ خافت من سطح الجار، لألتفت فتجمدني الدهشة كما جمدت عادل الذي لاحظت ذراعه في جبيرة بيضاء. وسرعان ما تحولت دهشته لامتعاض قبل أن يلتفت مغادرًا لأقول: "السلام لله يا جار."

     تمتم فيما يحاول أن يفتح بابهم بصعوبة بيد واحدة: "تعرف الله إنت وأخوانك؟" 

     تبسمت قائلًا: "أولًا هم أبناء عمي، ثانيًا أنت جربت استحقارهم مرة واحدة أما أنا أعيش معهم كل يوم."

     هبط الصمت طويلًا مصاحبًا للنسيم الخفيف وسمعته يشتم بخفوت بعد أن يئس من الباب التالف حسب ما يبدو. اقتعد سورهم وبعد فترة طويلة سأل:

     "ولماذا قد يستحقرونك؟"

     "أمي شيعية."

     "ومالهم ومالها؟" 

     رفعت أكتافي بقلة حيلة قائلًا: "الغيرة على الدين أعتقد."

     انكمش وجهه في مزيج من الاستنكار: "ما عرفناهم أسُود السُنة."

     ضحكت من تعبيره ليضحك هو من نفسه أيضًا. سألته بعدها عن مدرسته الجديدة، وسألني عن حال صديقه رضا وتكلمنا لحوالي النصف ساعة قبل أن يلاحظ أهله غيابه ليرسلوا خلفه أخته الصغيرة لتناديه للغداء.

     قابلته بعد أيام يشرب الشاي على السطح وكان الوقت عصرًا. تحدثنا قليلًا ثم دعوته للعب الكرة بعدها، ليأتي رفضه قاطعًا. وصارت لقاءاتنا عصرًا شبه يومية، حتى صرت أقتعد سورنا المجاور لهم وهو يقتعد سورهم في الجهة الأخرى. تحدثنا عن كل شيء تقريبًا؛ الأفلام والأحلام والتطلعات والمشاكل. حتى أني حكيت له عن تفاصيل رفض عائلة والدي لزواجه من أمي ليخبرني أن الأمر ذاته في عائلته، فلم يكن لدى أهل والده رغبة في أن يتزوج والدهم المتعلم وميسور الحال من فتاة أفريقية ومن عائلة بسيطة؛ خاصة وأنها داكنة بصورة لا تسهل لهم عبورهم العرقي. وفهمت منه أنه يرى في رغبتهم اللحوحة هذه إبادة ذاتية لا يمكن أن تحل أي مشكلة.

     كان هو من ابتدع فكرة تبادل الأشياء بصاج القلي، فتبادلناها بأذرعنا التي كادت أن تسقطنا. ناولته المكسرات وناولني سماعاته لأنصت لذوقه الموسيقي فأخبره أنه مزعج. وناولته سماعاتي ليجد ذوقي مُملا. ولذا انتهينا إلى أن ينصت كلٌ منا لموسيقى مختلفة رغم كوننا نحلم الأحلام ذاتها. كانت لقاءاتنا تدوم مع الأيام إلى أن تمتد إلى وقت متأخر من الليل؛ خاصة في عطل نهاية الأسبوع. فحينًا يضج المكان بضحكنا وحينًا يهبط علينا صمتٌ كئيب بعد أن يفضي أحدنا بعبء ثقيل في نفسه. واستمر الحال لأشهر حتى باتت العائلتان على علم بتلك الصحبة لترسل له أمي أطباقاً وترسل لي أمه أطباقاً أخرى.

     وفي يوم ظننته عاديًا في طريق عودتنا للمنزل، ذكر صلاح أنه قابل عادلاً في بقالة الحي البارحة، ووصفه بما وصفه به عبدالله سابقًا. بل وأمعن في التحقير أكثر وحين عارضته، رد ساخرًا: "هذه حقيقته. هل تغضب حين أقول أن أمك شيعية مثلًا؟"

     زفرت باستنكار قائلًا: "الأمر ليس سيان ثم كم مرة علي أن أحذرك من أن تأتي على ذكر أمي بلسانك القذر. يا أخي أنا أريد أن أفهم متى يرتاح الناس منك ومن أذاك، ما تبقى أحد في هذه الدنيا إلا وتعرضت له وحقرت منه."

        "أنا ما استحقرت أحدًا."

     أخرجني إنكاره من أعصابي فقلت: "إذًا ماذا تسميه؟ تسخر من مذهب هذا ولون هذا وفي حين أنك ذكرت أمي وطائفتها أين كنت من صلاة العشاء أمس؟ ولماذا كانت أمك تشكو تصرفاتك واستهتارك لأمي طوال الأسبوع الماضي؟ أجبني!"

     لا أذكر الشتيمة التي هتف بها، ففي فورة من الغضب اشتبكنا في عراك عنيف حتى فرقنا تركي وعبد الله اللذان طاشت كل محاولاتهم لتهدئتنا في الفراغ.

     ولما علم والدي بالأمر، وكل الذي فهمه من عبدالله وتركي أن السبب في الشجار كان دفاعي عن عادل وأنه يفسد ما بيني وبين أبناء عمومتي. رأى فيه والدي فتى مثيرًا للمشاكل. وباءت كل محاولاتي للحوار مع والدي بالفشل لأستيقظ في يوم والعمال يركبون حاجزًا عاليًا على أسوار سطح المنزل، لتحجب كافة الجهات ومن ضمنها جهة سطح منزل عادل. أخبرتني أمي في البداية أن والدي فعل ذلك خوفًا على أبناء أختي من السقوط حين يزوروننا، ولكنني حين فاتحته في الأمر أخبرني بالسبب الفعلي لتبدأ جولة جديدة من المشادات الكلامية حيال عادل وأخلاقه وكيف أني أسهر معه وأهمل واجباتي وعلاقتي بأبناء عمي. أخبرته أنه من الأوائل على صفه وأننا لا نسهر إلا في نهايات الأسبوع لكنه أصر على رفضه بصورة استغربتها منه، وبدا لي أنه يحاول إرضاء عمي بأمر كهذا لما عجز عن أن يرضيه عن زواجه بأمي. ولما بلغ الأمر هذا الحد طردني من الغرفة ولم يكلمني لعدة أيام لم آتي بعدها على ذكر عادل الذي لم أكن أراه سوى في المسجد. وفي أقل من عام انتقل وعائلته إلى حي آخر وانقطعت أخباره.

      إلى أن وصلني بعد سنوات، وقُبيل تخرجي من الثانوية، إشعار منه على إحدى مواقع التواصل لتنالني يومها سعادة أذهبت النوم عن عيني. وعبر الأيام نقلنا حوارات السطح إلى الهاتف وعادت علاقتنا خيرًا مما كانت عليه؛ خاصة بعد أن دخلنا الجامعة ذاتها وإن يكن في تخصصات مختلفة. وعدا عن المرات التي تورطنا فيها في بعض المشكلات والشجارات العابرة، كنا نُخرج أفضل ما في بعضنا. آنذاك فقط بدأ والدي يتقبل تلك الصداقة وبات يسألني عن حاله ويُحملني السلام. وما أعرفه الآن على وجه اليقين وما أنا ممتن له فعلًا هو أننا لم ندع تلك الانقسامات الموجودة على الأرض، ولا تلك الموجودة في السماء تنسينا حقيقة جوهرية وهي أننا متشابهون جدًا مهما اختلفنا.

ولاء تكروني كاتبة من مكة المكرمة خريجة جامعة أم القرى كلية الطب والجراحة صدرت لها روايتين أراضي الناما ومريما و قصة قصيرة بعنوان  "غرفة تخص البؤس وحده" ضمن المشاركات المختارة لجائزة أدب العزلة ولها  أيضًا عدد من المشاركات الشعرية في الأمسيات الثقافية.