Running girl_edited_edited.jpg

ورقة من تقويم الثمانينات

هيفاء المحمادي

     الأول من رمضان الساعة الثالثة والنصف عصرًا، الشمس تقترب وتنفث لهيبها الحارّ على رأسي الصغير. تذيب قطرات العرق على جبيني الأسمر. خصلات شعري الثائرة تهب نفسها للفحات النسيم الهادىء. أجلس القرفصاء على الأرض الخرسانية. إناء الماء الطافح يذكرني بالعطش لكني أتماسك. أعزف عن الشرب خوفًا من انكشاف أمري. كل ما أخشاه هي أصابع الاتهام الصغيرة التي تٌشير نحوي تزامنًا مع الأهزوجة التي لا يحب أن يسمعها أحد "يا فاطر رمضان يا خاسر دينو."

     الخطة هي أن أصنع معجون الطين لينقضي الوقت قبل آذان المغرب المنتظر. أسكب الماء من الكوز المعدني على الأرض وتمور فيه يدي باحثة عن المتعة في ملامسة الطين، عن الفوضى وعن خلق أجسام غريبة الشكل. 

     يطرق باب الحوش بعنف ثم يرجف بقدم نافرة، أنفض الطين عن يدي وأهرع للفتح. أجذب السلك الحديدي نحوي ليبتلع الباب لسانه ويفتح. أتراجع لأسمح للمرأة السمراء بالدخول. أحدق بتعجب يختفي سريعاً حالما أتعرف عليها، فأصيح بحماس: " أمي … أمي."

     تدخل المرأة وظهرها محدودب سامحًا للبقشة* الضخمة التي فوق رأسها بالعبور. بقبضتها أكياس كبيرة محشوّة بإكراه ببضائع متنوعة تحتكّ بعوارض الباب وتدفعها بقوّة فيصدر الاحتكاك صوتًا يوحي بقرب انفجار الأكياس وتناثر محتوياتها في الأرجاء. يتم العبور بسلام، وتتهادى نحو الدرجات الثلاث المؤدية للمنزل ثم ترمي أثقالها على الدرجة الأخيرة وتتنهد بتعب. قطرات العرق تشق طريقها عبر الوسوم التي في وجنتيها. أتأملها دائمًا ولكن لم أجرؤ قط على سؤالها عن سبب حدوث تلك الخطوط الطولية على وجهها العريض الطيّب.

     تمدّ قدميها على الدرجة الأخيرة وهي تلهث: "بنت روهي جيبي كاسة موية." 

     أعبر الصالة ركضًا نحو المطبخ وأنا أنادي أمي. أختار أي من الأكواب التي يمكنني التضحية بها، أتساءل كيف يمكن لهذه السيدة الكبيرة في العمر أن تشرب ماء في نهار رمضان ألا تخاف من أصابع الاتهام التي أخافتني قبلها؟

     على الرفّ الخشبيّ عدد لامحدود من الأكواب البلاستيكية التي عزفت عن الشرب منها خوفًا من التقاء مكان شفتي بشفتي المرأة الممتلئتين. ألتقط أحد الأكواب وأهرع نحوها بكوبٍ طافح. تعيد لي الكأس بعد أن تغسل به وجهها المالح من فرط التعرق.

تتجه نحوها أمي ويدور حوار به عتب لطيف.

     "فينك يا حجة فاطمة طولتَ علينا؟"

     "الحمد لله كله كويس، بس ما في سيارة يوصل أنا."

     "طيب وريني أيش جبت مقاضي لرمضان."

     الجملة الأخيرة كانت كفيلة بأن تعيد للحجة فاطمة شبابها المفقود، تنصب عظامها المريضة وتهمّ بفتح كنوزها حسب أهميتها للزبون. تعرف أن قلب أمي معلق بالأواني فتأخذه وتزيح جانبًا أكياس الملابس والخردوات. تفتح الكيس الضخم المكعب ذو العجلات الصغيرة وتبدأ ببطء وحرص إفراغ محتوياته الحساسة. طقم كؤوس عصير زجاجية، مجموعة فناجين الشاي محفور أسفلها اسم "بادريق". ومجموعات مغلفة من الملاعق والسكاكين في كرتون مهترئ. تمسح الكرتون بطرف عباءتها لتزيل الغبار وتحاول أن تصلح وضع الكرتون الذابل من فرط الاحتكاك لترفع الرغبة في الشراء.

     تختار أمي أواني معدنية للتطلي** ليكون أكثر برودة عن تقديمه بعد التروايح، وأوعية بلاستيكية للجلي لا أعتقد أنها توفقت في شرائها؛ فقد كنت متحمسة لقلب الجلي في الصحن المستوى لأرى كلمة "أهلاً" الناتئة على سطح الهلام ولكن اتضح لي بعد استخدامها له أنها خُدعة. كان الهلام يعجز عن الخروج من التجويف، ولا نعجز نحن عن حشر أصابعنا فيه لنلعقه بمتعة ناقصة.

     تعطي أمي الحجة فاطمة نقودها فتخرج حقيبتها الذابلة من تحت إبطها لترجع الباقي، تفرد بأصابعها كومة النقود الورقية من ريالات وخمسات وعشرات. تخبرها أمي أن تحتفظ بالباقي فترفع الحجة يديها إلى السماء وتدعوا بتمتمة صادقة ثم تسرع بلمّ حاجيتها لتلحق الوقت المتبقي قبل الأذان. تمشّط البيوت وتطرق بابًا آخر. نتبعها أنا وإخوتي وأطفال الجيران كالخراف لأننا نعرف ما تخبئه الحجة في الأكياس الأخرى طمعًا بأن يشتري لنا أحدهم "المنفوش مع الحُمر"*** التي كانت ترفض أمي بعناد شرس شراءه لنا. تكمل الحجة فاطمة جولتها ولا نودعها غالبًا لأنها تقف عند ساعة محددة أمام بقالة الحيّ لتأتي سيارة اتفقت معها مُسبقًا لتلتقطها وتعيدها من حيث أتت. 

     نعود للمنزل فتستقبلنا رائحة بهارات الشوربة الحبّ في الأفق. يشتدّ بنا الجوع ويكثر ترددنا على المطبخ. نحاول إسكات الجوع الصارخ باستنشاق رائحة السمبوسة المقلية ونبلل ريقنا الجاف بلعق الندى من إبريق الفيمتو البارد. أراقب شفتا أبي المتيبسة ليكمل قراءة ورده من القرآن. يبرد الجوّ ويقترب موعد الأذان. تُرصّ الأواني ويظهر من التلفاز الطنطاوي ويقدم موعظته بصوتٍ رخيم خلف طاولته البيضاء وأمامه سلة الفاكهة البلاستيكية. تتوضأ أمي استعدادًا للصلاة. تتساقط القطرات المباركة من وجهها وهي تتمتم بأدعية ناقصة. يقطع خشوعها تصرفاتنا المربكة وشجاراتنا المستمرّة على السفرة.

     تتضارب الأيدي الصغيرة على التمر الذي لا نكمله رغبةً في العصير البارد. نتلقط حبات السمبوسة ونشعر بالشبع. يخضّر عودنا من جديد ونركض حفاة نحو بيت جدتي. نجدها تمشي الهوينا تجاه مفاتيح الأضواء تشعلها حسب ترتيبها على حيطان الحوش الإسمنتية وحالما تنتهي، تتجه للحصير الممتد في وسط الحوش. المراتب الاسفنجية المبطنة بقماش أحمر جاهزة لاستقبال المزيد من الأشخاص. نتصارع بالتّكايات الثلاث التي وُزعت عشوائيًا ويُعجبنا أن نمتطيها كأحصنة بلا أقدام. تحاول جدتي أن تحيدنا عنها ولكنها تضحك من سخف تصرفاتنا وهي تخفي فمها بطرف الشيلة السوداء. نعرف أنها تضحك عندما نراقب تقوس حاجبيها واهتزاز كتفيها النحيلين. يعجبنا أنها تضحك فنكرر السخافات. حالما نراها في وضعها المطمئن بجانب الراديو، ندلف لمطبخها البسيط ونخرج الأواني الحديدية المغطاة من الثلاجة. نشمّ رائحة قطر الموز الطافحة من الهلام الأصفر ونعود للجدة ونجدها تتنقل من محطة لأخرى لتلتقط شارة للأخبار أو إذاعة القرآن الكريم. 

     نتلذذ بالتطلي في الهواء النقيّ. تتمددّ جدتي وتتأملنا بحبّ، ويلحق بنا أبي ليجلس مع جدتي قبل أذان العشاء وتصيح بإحدانا: "قوموا جيبوا لأبوكم." نتراكض متدافعين من الباب الصغير ليفوز الأول منا بهذا الشرف.

     بعد صلاة التراويح، تصل المتعة ذروتها. ترفع فوق المنازل الأقرب للملعب الترابي الكشافات ذات الضوء العالي، وتدق أعمدة الشباك في منتصفه، ويبدأ موسم الكرة الطائرة في التوهج. نمُنع نحن الفتيات من المشاهدة إلا في المباراة الأخيرة حيث يسلم الكأس ويتراص الفتيان جلوسًا على حائط الملعب بينما نتلصص نحن الفتيات ونتسلق السلم الخشبي المتكئ على الجدار الخلفي للملعب رافعين رؤوسنا الصغيرة بالتناوب. يتعالى الصراخ والهتاف، ونعرف من الأصوات المتشنجة كم أحرز الفريق الأقوى من النقاط. 

     كانت أمي متأخرة دائمًا على اجتماع النساء عند جدتي، لطالما شعرت نحوها بالرثاء. أراها تعتكف محرابها تصلي بخشوع المآذن كامل التراويح. لا تلقي بالًا للمسلسلات المعروضة. تبتهل وتدعو كثيرًا. كنت أصاب بالإحباط حينما أراها تبكي وفي داخلي أضمر الغضب نحو أبي وأتساءل كيف لقلبه أن يؤذيها في رمضان؟ وأكتشف أخيراً أنها تبكي تأثراً وخشوعاً. قبل أن تنتهي أمي من صلاتها، تبدأ النساء بالتوافد نحو الجدّة يحضرن القهوة وأباريق الشاي وأوعية بلاستيكية مغطاة. نتعذر نحن بالتردد عليهن وأعيننا مسمّرة على الوعاء الذي أمامها. تلاحظ نظراتنا المختلسة فتأخذه من وسط الجميع وتعطينا كرات اللقيمات المغمسة بالسكر. ندفعها في أفواهنا ونهرب للطرف الآخر من الحوش وعند الوصول للحائط الأخير نتكئ على الجدار ونحن نلعق بقايا السكر بمتعة ومرح.

     بعد ساعة من منتصف الليل، يدقّ ناقوس الجوع. تخطينا الفطور منذ وقت طويل ولم يبدأ بعد وقت تحضير السحور. يأتي الفرج من ذلك الصوت المتقطع من بعيد: البوق الذي ترقص له قلوبنا، فنركض كالمجانين صوب رجال العائلة الذين لم ينزعوا ثيابهم البيضاء بعد. نقصدهم لأننا متأكدين من وجود محفظة النقود في جيوبهم فلا تنطلي علينا كذبة أنها في الثوب المعلق في المنزل.

     ننتزع الريالات ونركض بانتشاء نحو البائع الآسيوي. الرائحة تدغدغ الحواس. أرفع نفسي على أطراف أصابعي وأنظر داخل الصندوق الخشبي، أتفكر بجركل الماء المقطوع الرأس وأنظر لأصابع البطاطا السابحة فيه كأسماك بيضاء. أعدُّ قنينات الخل التي تحولت محتوياتها لشيء آخر، ملح، خل مخفف، كمون، فلفل أسود، فلفل حار.  يعبئ لي البائع البطاطا الساخنة المقرمشة في كيس ورقيّ وأجلس مستمتعة على الدرج الخارجي للمنزل بينما يتدافع الأطفال في الحصول على حصتهم.  نأكل بشراهة وسرعة لنعود بنشاط أكثر للعب المتواصل في الدراجات أو القفز على الخطوط المرسومة على الأسفلت بالفحم.

     تنقضي ساعات الليل ونعرف أن الوقت حان للرجوع حينما أسمع تصفيق أمي من باب المنزل كطريقة للمناداة. تنفرط دوائر اللعب ويتفرق الجمع. نصل للبيت والتعب يزحف على أجسادنا كجيش من النمل. صوت صهيل قدر الضغط من فوق الموقد ينبئنا بأن موعد السحور اقترب. أبي أمام التلفاز فارشاً صحيفته وأمامه إبريق الشاي.  أمي تعطي الأوامر للخادمة وتشير بإصبعها نحو الحنفيّات لنغسل أيدينا استعدادًا للأكل. نعير أجهزتنا العصبية الصغيرة للتلفاز ويأخذ برنامج سباق المشاهدين دوره في البقيّة القليلة من جهد التفكير وتخمين الإجابات. نمضغ ببطء لقم الأرز. يسيل النعاس على وجوهنا ونمشي كالأشباح للفراش. نسمع آذان الفجر كصوت قادم من بعيد ونغطّ في نوم عميق بأيدي متسخة لم يسعفنا الجهد لغسلها.


* البقشة هي صرّة قماشية تحمل فيها الثياب وغيرها من أغراض

** التطلي، مسمى آخر لحلوى الكاسترد.

*** المنفوش مع الحمر هو رقائق مقلية تقدم مع مستخلص التمر الهندي

هيفاء المحمادي هي كاتبة من جدّة مُهتمّة بالأدب بشكل عام، هاوية للكتابة والتدوين.

هذه المرّة الأولى التي تكتب فيها مقالاً للنشر.