top of page

كمـال عيـد وشُـحّ ميـلاد​​

عمر الجضعي

     علا صراخ كمال بكابوس آخر لِلَّيلة الثالثة. أيقظ البيت من سباته، وأجمعنا عند غرفته. أشعلت أمي الإضاءة ووجدناه في سريره متكوراً يحمي حلقه بيديه يبكي ويقول: "أمي مخنوق، أنا مخنوق".

     منظر أخي كمال في أول ليلة من كوابيسه أرعب أبي وأمي وهو يحشرج محمرّ الوجه حين أتاهم لا يقوى إكمال نفَسَه. لم يتوقفا بعدها في إبقاء أعينهم عليه في الليالي التي تلت ليهدأ، إلا أن ذلك لم يمنع الكوابيس تأتيه بعد تلك الليلة.

     رقة أهلي في معاملة كمال واهتمامهم به سبقت كوابيسه، فصغر سنه ولطفه أبقياه محبوباً.

     حظه لا يقف عند هذا، بل يزيد؛ فهو حظيظ بين إخوتي. في كل مكان يأتي إليه تدخله الحياة، وفي حضوره تعج جلساتنا بالمواقف المضحكة حتى عندما نشاهد التلفاز؛ لا تُمتِع برامجه إلا إذا جلس كمال يشاهد معنا. أطلب منه أحياناً مشاهدة المباريات معي لتكون ممتعة ومليئة بالحركة، وليفوز فريقي إذا شجعه. أما اللعب معه فهذا شأن آخر؛ ففريقه عادة يفوز في أي لعبة كانت، وألعاب الحظ لا ينازعه فيها أحد. كل من يعرفه لا يخاطر باللعب ضده بأي من ألعاب النرد، كأنه ساحر بعصا وحمامة بيضاء.

     في لعبة المونوبولي يمر بالسجن مرورًا في كل دورة، ولا أذكره توقف فيه؛ بل يصبح الكل مديونًا له ويكون أغنى من البنك نفسه. وأما في لعبة ريسك، فتعبر جنوده القارات بأعجوبة النرد وسحر يديه حين يغطي النرد بهما قبل رميها كل مرّة. لم يبدأ تعلم ألعاب الورق؛ كم سيبدع فيها إذا كبر وكم سيغتني لو لعب في الكازينوهات في سفراته. ربما ستصبح مهنة له لو أراد.

     يسعد حظ كمال حتى في أحلك المصائب ويتحول القدر لصفه. يحزن البيت بمن فيه إذا حزن ويكسل إذا مرض، كما هو البيت الآن يسهر طردًا لكوابيسه المتكررة.

    حدث مرة أن مرض في يوم دراسي، وقلّما يمرض، وكان يوم رحلة صفيّة لحديقة الحيوان. لم أصدق في ذهابي للمدرسة أنها سوف تفوته، كان يحسب الأيام لهذه الرحلة؛ الرحلة الوحيدة في الفصل الدراسي. كنت أتنبأ حدوث أعجوبة تجعله يحضر الرحلة، لا محالة من ذلك. تصرفت الأقدار يومها بأن أقفلت الحديقة وألغيت الرحلة؛ لا أدري أي حيوان تسبب في إقفالها!

     ومرة جرحت يده لعبة كنا نتأرجح عليها عند خالتي ليلى. انتقم القدر لكمال بنفس الليلة فتكسّرت في مكانها بالحديقة بعد عاصفة ألمّت بها؛ لم تكن العاصفة الأقوى تلك السنة، لكن جلبها الحظ هناك.

     إذا أصيب كمال بزكمة أو نزلة برد خفيفة أو حتى صداع، نصبح كأننا في عزاء يزورنا الحزن. وأصحاب كمال في العصر يتركون ملعبهم في كل مرة لا يأتي، ويتناثرون يبحثون عنه؛ المتعة حيث هو يكون.

     ولادة كمال كانت هي نفسها مفتاح الحظ في حياته، وكانت كافية أن تنذر من حوله في حياته بأن هذا الطفل العجيب هو مغناطيس سعد وجالب حظ. ولد في الأول من يناير، في أول يوم في السنة. نحتفل بعيد ميلاده ونهنئه بدلًا من أن نحتفل بعامنا الجديد. خطف منا فرحة دخول عام جديد. وأصبحنا نذكر اليوم الأول في العام بميلاد كمال، ونتناسى عامنا الذي يطل علينا في البيت متثاقلًا؛ سرق الزمن أيضًا بعد أن جذ أعوامنا وجرّدها من إشراقها الموعود.

     وأما عني؛ فجحدني الزمن في ميلادي حتى يغمر أخي بالأفراح. يتذكرني مرة كل أربعة أعوام، ويمر متعجلًا في عيد ميلادي في عام كبيس بئيس، فأفرح اختزالًا بعد أن يهنئ كمال برأس السنة عيدًا له لوحده.

     أسلي نفسي بمسرحية أعياد أخي لأربع سنوات كي يحتفل أهلي بميلادي. أذكرهم كل مرة قبل عيد ميلادي بأيام، فلربما نسوا مع طول الزمن الفاصل بين أعياد ميلادي. مولدي كان في التاسع والعشرين من فبراير؛ هذا الشهر الذي عادة ما ينتهي في ثمانية وعشرين يومًا إلا مرة كل أربعة أعوام، يطل فيها التاسع والعشرون على عجل، ثم يختفي طويلًا.

     بقي عشرة أيام على رأس العام؛ عامي أنا وأريد الاحتفال بدخوله، بل ليس من حق كمال أن يهنئ برأس السنة ويستحوذ بها عني وهي فيها عيد ميلادي. يكفي أن أفقد ثلاث سنوات يفرح فيها وبدخولها، حتى يأتي ينافسني الآن في عامي. سأجعل كمال لا يهنئ برأس السنة هذه ولا بعيد ميلاده.

     قبل رأس السنة بليلة، سأبقى يقظًا حتى ينام كمال. ثم سأنتظر بعدها حتى يتأكد لي نوم أهلي وجميع من في البيت. بعدها سأدخل غرفته على مهل، وأشغل مكيف الغرفة على أشد برودة وأغلق الباب في خروجي من الغرفة. هذا يكفي لأن يمرض في آخر يوم في السنة، وسيستمر المرض معه لليل، وسيبقى في سريره حين دخول العام الجديد، ولن يحتفل أو حتى يفرح بدخول سنتي ولا عيد ميلاده. هكذا لن ينغص فرحتي أحد.

     سوف يظن أهلي أن كمال نفسه هو من أشغل المكيف في منتصف نومه دون أن يعي ما يفعل. لن يعرف أحد أنني فعلت هذا وأردت أن أمرضه، كما لم يعرف أهلي حين بعثرت أغراضه ورميت بعضها لما أغضبني ذلك اليوم، بل أيضًا كما لم يعرفوا عندما خنقته وهو نائم قبل أيام.

 

عمر الجضعي هو كاتب قصصي من المملكة العربية السعودية، يكتب القصص قصيرها وما يُروى منها وما قد يصور. درس الهندسة الكيميائية وعمل في المبيعات لسنوات عديدة.

تويتر وانستغرام: omaraljadhee@

bottom of page