في معرفة ما يجلب لنا السعادة

 

صاموئيل بتلر

(١) 

     إن أكثر ما يلام عليه المرء أن يزهد في سعادته، وأجلّ دلالات الجهل حين يظن أنه يستطيع البوح فورًا عما يسعده. وعليه فإن غاية كل فردٍ منا الإلمام بصعوبة هذا الأمر، والتبحر في هذا العلم؛ كونه أكثر الفنون والعلوم تجاهلاً. ونحن إن استطعنا حل مشكلة صعوبة معرفة ما يجلب لنا السعادة، إن استطعنا إيجاد منابعها، ومنشئها، وطريقتها الأولية، فإنه لابد أن نكتشف سر الحياة والنمو. وذلك لأن تلك الصعوبة نفسها قد رافقت كل الحواس الخمس بدءًا من حاسة اللمس فما يليها، ولم تتطور أي حاسة جديدة دون معاناة. على المرء أن يلزم مصادر السعادة المعروفة والمُثبتة، ولكن إن أراد خوض البحث عن متع جديدة، فعليه ألا يقدم عليها بقلب ضعيف. 

     إن أحد أسباب صعوبة معرفة الأمور التي نستمتع بها أننا لم نعتد على محاولة اكتشافها. فلطالما كانت الخيارات متاحة لنا وفق الأمور السائدة في المجتمع، ولهذا فقد درجنا على الاستمتاع بما تمتع به أسلافنا واتبعناه بلا تردد.

و السبب الآخر أن الناس – باستثناء أمور طعامهم وشرابهم- لا يدركون أهمية البحث عما يجلب لهم السعادة، وجل اهتمامهم هو الراحة بطريقة عقلانية. قليل من الناس يهتمون إن كانوا فعلا يتمتعون بالراحة أم لا. يبلغ الجهل وعدم الاهتمام ببعض الناس لدرجة أنه لا يهمهم إن خلقوا على ظهر الأرض أم كانوا كائنات حية. هؤلاء يمثلون ظاهرة الولادة والتكاثر فحسب، فيعتبرون كأنهم أشخاص مولودون على ظهر الأرض، ويصعب تصنيفهم على أنهم مخلوقات حية.

     بالرغم من كل هذه الاعتبارات، فإنه في جوهر كل بشر عنصر الرغبة. يمكن إزالة نصف البؤس الذي يواجهنا يوميا، أو على الأقل تخفيفه تخفيفًا كبيرًا إن كان البائس يدرك قيمة خوض معاناته ليبرأ منه. حافزه في ذلك ليس معرفة منبع السعادة وحسب، وإنما معرفة أكثر ما يخفف عنه، مثل الحذاء الذي لم يعد يضايقنا كعبه كما كان؛ لأن الحذاء المؤلم يستجدي الفرج بانتزاعه بأي ثمن وقوة. لأولئك التواقين إلى معرفة ما يجلب لهم السعادة ولا يعرفون كيفية البدء، لا أملك نصيحة أفضل من أن يخوضوا معاناة اكتساب هذا الفن الصعب بالطريقة نفسها في اكتساب أي فن آخر. وهي بأن يولي اهتمامه لشيء واحد فقط، يصبر عليه ولا يتعجّل. البراعة لا تأتي بالطرق المختصرة، أو بإحضار أشخاص يقومون بالعمل الذي يستطيع وحده إتمامه، والأهم من ذلك، أنه من الضروري هنا، كما هو الحال في مختلف نواحي المعرفة، ألا نعتقد أننا نعرف شيئًا قبل أن نحيط به علمًا ومعرفة. علينا أن ندرك محيطنا جيّدًا ونتأكد من أننا نحب الشيء قبل أن نتفوه به.

إذا لم تستطع الإقرار بما تحب وتود عمله، فليس ثمة أسهل من أن تقوله وتعلقه في شمّاعة عدم اليقين مع غيره من الشكوك. أو عندما تتيقن أنك لا تعلم وتكون في حالة من الشك لدرجة ألا ترى فرصة لاتخاذ القرار، فحينئذٍ ستقذف بنفسك في أحد الخيارين بلا تفكير. قد يشعرك هذا القرار بشيء من الضيق وتشعر بأنك اتخذت الاختيار الخطأ وأن الاختيار الثاني ربما كان الأفضل. أحياناً تشعر أنك اتخذت القرار الصحيح ومع الوقت ستعرف عنه أكثر فأكثر، ولكن لابد من وجود معاهدة سرية مع نفسك بأن الاختيار مؤقت. وذلك لأن القاعدة المهمة في هذا المضمار هي ألا تعتقد أنك تعرف ما الذي تحبه حتى تتأكد فعلاً من موقفك. كنت في قرابة الأربعين عامًا لما شعرت بالغباء بتظاهري معرفة أشياء لم أعلمها، ومازلت أتصيد نفسي أحياناً عند قيامي بالأمر نفسه. لم يعلمني أحد من الأساتذة في مختلف مراحل الدراسة هذا، بل علموني العكس.

(٢)

     يجدر بي أن أحب موسيقى شومان أكثر. أعترف أنه بإمكاني أن أحبها أكثر إن حاولت، ولكني لا أحب محاولة جعل نفسي تحب الأشياء. أحب الأشياء التي تجعلني أحبها على الفور وبلا أي جهد.

(٣)

     كي تعرف إن كنت مستمتعًا حقا بمقطوعة موسيقية، فعليك أن تراقب نفسك إن كنت تستمتع بمشاهدة إعلانات صابون "بيرز" بعد نهاية البرنامج. 

صاموئيل بتلر هو كاتب مقالات وروائي إنجليزي من أعلام القرن التاسع عشر. من أشهر رواياته إيروون(١٨٧٢) وطريق كل الجسد(١٩٠٣). كتب المقال عام ١٨٨٠ وتم نشره بعد وفاته عام ١٩١٣ في كتاب بعنوان  مذكرات صاموئيل بتلر.