top of page

عُقْدَةُ الهُوِيّة

علي تراوري


سؤال الهوية الذي أرقني طويلاً، قد يبدوا سهلاً في صياغته لدى الكثير وبسيطًا دون جهد في السؤال عنه والجواب عليه، أما معي فالحكاية مختلفة، سؤال بهذه البساطة صعب جدًا داخل قاموس رحلتي الإنسانية في هذا الوجود حيث التماس والتضاد فيهما أعمق مما يطفو على سطحه البسيط.
سافرت الى بانكوك لأول مرة في حياتي عام ٢٠١٧. نزلت في فندق متوسط في عدد نجومه.نمت طويلاً جراء الرحلة المرهقة، تسع ساعات بين أرضٍ وسماءْ، من جدة إلى أبوظبي ثم أبو ظبي بانكوك.استيقظت الساعة الثالثة فجراً يقتلني الجوع. نسيت أني مسافر لوهلة بعد استيقاظي. أدركت في ومضة أن لا أختًا ولا أمَّ لي هنا قد يكونا خبئا نصيبي من وجبة العشاء. المجد للعائلة.
نزلت إلى الاستقبال ووجدت الموظفة مع رجل أظنه حبيبها. لم يكترثا بوجودي كثيرا وظلا يكملان قبلة على مهل. ما إن رمقتني الفتاة، توقفت بخفة دون ارتباك وسألتني:
"كيف أخدمك سيد علي؟"
"أريد مطعمًا قريباً."
"كلها مغلقة الآن لكن هناك في آخر الشارع (لاونج) يعمل ليلاً. قد تجد عشاءً إذا لم يغلقوا المطعم."
شكرتها وغادرت سريعاً. أمام باب الفندق كان يقف سائق (توك توك). أشار إلي وطلبت منه أن يقلني إلى (اللاونج) آخر الشارع. لركاكة إنجليزيته لم يستوعبني. طلبت منه أن يدخل معي للفندق، رافقني لأطلب من الفتاة المرماة بدفء في حضن حبيبها لتترجم للسائق دون انزعاج وبابتسامة بانكوكية عريضة مع يد مضمومة إشارة للاحترام (ربما).
اللوحة الإعلانية لمكان (اللاونج) توحي بأمور كثيرة– الطعام ليس من ضمنها. لكن وقع الاحتمالية ومعدتي التي تصرخ بجنون، جعلت قدماي تدخلان إلى مكان لوحته الإعلانية حمراء لفتاة عارية.
رمقتني الحانة بنظرة مفادها، ما أنت؟ أمتأكد أن المكان مكانك؟ سألت رجل الحانة عما إذا كانوا يقدمون وجبات الطعام هنا متجاهلاً نظرته المليئة بالأسئلة. بإنجليزية طلقة أجابني الرجل وطلب مني الصعود إلى الدور الثاني في المطعم، لكن عليّ أن أسرع، سيغلقون بعد أقل من نصف ساعة.
طلبت الوجبة الوحيدة المتوفرة: بيتزا دجاج. المقاعد حولي عليها ثملون، يلتهمون البيتزا بنهم ويحتسون الكحول، مستمتعون بوقتهم، يضحكون بصوت عالي. يطلقون النكات بإنجليزية ممتازة وبلكنة واضحة. وأنا في عمق تأمل العالم الجديد حولي، سألتني فتاة فارعة الطول، مريحة الملامح، آسيوية ممتزجة بعرق آخر (أعتقد)، فيما إن كان المقعد بجانبي فارغًا. أكدت بشدة أن المكان فارغ ويمكنها التفضل بالجلوس.
"أردت بشدة (برجر بيكون) لكنّ صنفًا واحدًا فقط كان متوفرًا من المنيو وأنا جائعة فاضطررت لطلبه."
افتتحت الحديث بعد الجلوس.
"لا أعرف كثيرا عن المدينة فهذه أول وجبة لي هنا منذ وصولي ولم أجربها بعد."
"أول زيارة لك لبانكوك؟"
"نعم."
"وكم تنوي الجلوس؟"
"خمسة عشرة يومًا."
"حقاً!"
"فعلاً."
"ستقضيها كلها هنا أم ستزور مدناً أخرى."
"في الحقيقة سأسافر صباحا إلى مدينة بوكيت لمدة عشرة أيام وسأعود إلى بانكوك بعدها."
"جميل ستقضي وقتاً ماتعاً هناك، بوكيت من الجزر التي يجب زيارتها حين الوصول إلى تايلند."
"حقاً، ما الذي يميزها؟"
"الطبيعة فمعظم الجزر الشهيرة والجميلة هناك، ستعيش أياماً من الجنة."
"تشوقت كثيراً."
"حُقَّ لك."
وصل طلبي أولاً دعوتها لمشاركتي بما أنّ الجوع تمكَّن من كلينا. ترَدّدت ثم أخذت قطعة واحدة بعد إصراري، وقبل أن تكملها وصل طلبها أيضًا وبدأنا بتناول وجبتينا في صمت.
بعد أن فرغنا من طعامنا، أمام باب اللاونج في انتظار سائق الأجرة، تصادفنا مرة أخرى. قالت:
"نسيت سؤالك من أين أنت؟"
"سؤال معقد جدا بالنسبة لي."
وصلت سيارة الأجرة، ، استأذنتها وقلت:
"علَّ دروبنا تتقاطع مرة أخرى حين عودتي إلى بانكوك."
ظلت واقفة فارغة فاها.


علي تراوري هو قاص ومترجم.

bottom of page