top of page

انتقام البوم

نجوى العتيبي


أذكُرُ لقائي الأول بطائر البوم، كنتُ صغيرةً ربما في عمر أربع سنوات. لعلها كانت ليلة شتوية، ولعلي صحوتُ من نومي صدفة أو أرِقتُ لينطبعَ في ذهني ذلك الكائن إلى الأبد. يحجز البعض أمكنتهم في داخلنا هكذا… في وقت غير منطرحٍ على الطاولة. يأتون كالصفعة لكنَّهم لا يراوحون آثارهم مثلها. الطاولة وسيلة لنبقى على اتصال، والعين وحيٌ خام، وهكذا اتصلتُ بالبومة وإنْ غاب وحْيُ عينيها، تعرَّفتُ عليها في وقت غير مجدوَل؛ حين يكون لبعض الأوقات فضلٌ كبير على الناس باللقاءات والصُّدَف.
أحضرَها جدي من البرّ، حمَلَ بعضه على يديه؛ ذرات الرمل وروائح الرعي والاحتطاب. اصفرار ثيابه واغبرارها يشي دوما بيومه الخصيب!
احتضنتُهُ رغمًا عن نفور الجميع منه. وضَعَ يده الباردة الجافة على خدي، شممتُ في كفّيه رائحة الرمل وشيئا آخر لم أعرفه وقتها… وانتبهتُ إلى رائحة الحليب في ثيابه. لعلي صحوتُ من أجل حليب دافئ!
احتضنتُهُ مجددا لأحظى بلقاءٍ أوَّل مع هذا الكائن الغريب… لأستثير ردّةَ فعل أخرى منه. لكنه بدا مشغولا بالتحدث معهم عن أشياء لا أفهمها، والبومة في يده ذات نظرة غامضة، كأنها مشغولة بالنظر إلى كلّ شيء.
تأملتها بلا تعليق يحوي حيرتي. تجاهلوا يقظتي في مثل ذلك الوقت بسببها… بعض الأحداث تصدّ عن أخرى، وتنجينا المصادفات من بعض المحاسبات.
أخذتُ مقعدي الضئيل في المجلس. تقاربتُ من جدِّي بلا شعور، وهكذا حتى وصلتُ إلى نقطة تتيح لي اصطناع موعدٍ أوَّل معها.
تجرَّأتُ ولمستها قبل أن أسأل ما هي… يغدو اللمسُ سؤال الطفل المعرفي؛ الاستفهام الذي يعفيه من فوضى الكلمات وتلقّيها.
كانت كبيرة جدا وثقيلة ومتيبّسة… بدت ميتة منذ ساعات. نعم هذا ما أذكر. الحمد لله أنه لم يقتلها! رغم أنني فكرتُ بذلك على مدى أعوام… أوقات طويلة سألت فيها نفسي عما إن اقترفَ جدي قتْلها أم وجدَهَا ميتة فأخذها… تحضر الذكريات أحيانا للمساءلة… وتغيب شطرًا بالأجوبة التي لا نحتاج إليها.
لا أحد يساعفني بالحدث كأنني حلمتُ به. لكنني أذكر عينيها اللتين لم ترمشا. قال لي أحد الأطفال المعفيِّين من المحاسبة أبدا: «لا عليك! لا عليك! لا تخافي… هي تمثِّلُ الموت. انظري لعينيها! إنها تستطيع التحكم بهما لكبر حجمهما». ثم قلَبَ جفنيه ومدّ ما بين أنفه وفمه، كرر ذلك حتى ضحك…
سألته قبل كل شيء إن كانت تراني! فكَّرَ ثم أجابني: «ربما هي الآن تحاول حفظ وجهك…» سألته عن السبب، فردَّ بالحديث عن رغبتها بالمجيء في ليال أخرى… «تريد اللعب معنا أكيد… الكبار يقتلون الحيوانات»… قال ذلك بحقد جعله متيبّسا أكثر منها.
سألته عن الجسد المتيبّس هل يتبع فكرة التمثيل الخاصة بعينيها. هزَّ كتفيه ولم يجب. ثم حاولنا التدرب على طقس الموت الأول الذي شهدناه: عينان مفتوحتان وجسدان متيبّسان، استلقينا على الأرض لنؤدي رقصة الموت الذي تخيّلناه محاولين لفت انتباههم. في بيت الأجداد يُسمح للأطفال بممارسة أكثر الأدوار خروجا عن العقل ولا محاكمات بخصوصها… ما يحجِّمُ عوالمنا وحدودنا هي هذه المحاكمات البغيضة لحُمَّى البشر المزمنة حول الفهم والاكتشاف.
لم يعرنا أحد انتباها أو اهتماما… لم يخبرني أحد عنها، وعرفتها بنفسي من خلال الرسوم الكرتونية.
استمروا بالتحديق إليها وأنا أنتظرهم، لكنهم ينتظرون شيئا جهلته. حملتُها في مخيّلتي دوما؛ عينين صفراوين كبيرتين وجسدا متيبّسا. حسبتها شريرة لثقافةٍ تستهدفها دائما، لكنني رحمت وحدتها وغربتها منذ الصغر. مع الوقت أدركت أنها كائن مرميّ بالظنون، شؤمٌ وبُعْدٌ وفراق ولعله موت، وهذا ما لم تستطع عيناها الكبيرتان التمثيل بشأنه؛ موتها من الفهم في أذهاننا…انطراح نصيبها من تصوراتٍ تناسبها، ظلّتْ لأجلها تنأى بنفسها وهي صامتة، ترقب حدوسنا بعينين كبيرتين ولا غير. ابتعدتْ عنّا بهدوء حتى ماتت وحيدة وغريبة، ولم تجلب موتا لأحد من ذلك البيت الكبير، ولم نغيّر رأينا بخصوصها… تبقى الأحكام المتعلقة بالضعفاء عصيّة على التغيير دائما.
كلٌّ منا يقاسي شيئا من ذلك… يحمله نصيبا مفروضا في علاقته بالآخر. لعله انتقام البومة في ليلة هادئة، وَضَعَتْهُ بطريقتها على الطاولة دون أن ننتبه. ولعلي أتذكر…



نجوى العتيبي، كاتبة وباحثة سعودية، صدرت لها رواية (رفُّ اليوم، ما لم يستطع السيد الحصول عليه)، ونُشرت لها قصة (أسئلة اليدين) في منصة روى الألكترونية. كتبت بعض المقالات والقصص في أخبار الأدب ومجلة القافلة، ومجلة النص الجديد بنسختها الرقمية الجديدة.

bottom of page