الدُرج ١٣

حضية خافي

 

     أقفل لحم أرنبة أنفي فتحاته بخلاف بعض ثقوب صغيرة. ذابت شحمة أذني والصيوان كله ولم يعد يُرى لي معالم أذن، أما شعري الذي كان أول ما اشتعل شعرت به وحرارته تسري على جسدي. وسمعت أصوات الطقطقات التي أصدرها وهو ينكمش بعدما تساقط بعضه. وكانت رائحة احتراقه أول رائحة تنبعث مني وأنا أقف. أما أطراف قدمي فكانت قطع بجامتي الزرقاء الحريرية تتساقط عليها كلما ارتفع اللهب وهي تحمل ألسنة من اللهب المشتعل سرعان ما يحترق اللحم تحتها وتفوح منه رائحة الألم. أصابعي حاولت أن لا أغلقها عسى إن كتبت لي حياة أخرى أتمكن من تدريبها وتمرينها لتعود كما كانت؛ تفتح وتمسك الأشياء. سقطت كل ملابسي والتهمتها النيران، وشعرت بسوائل تنثال من جسدي بحرارة.

     أغلقت فمي، انكمش صدري، غارت سرتي الصغيرة. أخذت النار ترتفع لأعلى، تغير لون جسدي، أصبحت كل ملامح جسدي مثل سائل هلامي عائم. سقطتُ على الأرض، أغمضتُ عيني. احترقتْ رموشي وحواجبي الكثيفة، غارت عيناي للداخل. حاولت مسح عيني اليمنى التي ذاب جفنها منسدلا عليها فأغلقها، لكن لم أتمكن. شعرت بألم النار. صرخت .. صرخت بقوة ... فحضرت أمي. كانت هي أول من وصل. حاولت فتح باب المطبخ لكن لم تستطع، سمعتها تصرخ تنادي أبي. كان آخر صوت سمعته تشَهُّدَ أبي الذي شرع في تغطيتي ببطانية. رأيت أمي من ثقب بقي في طرف عيني التي التصقت وهي تبكي.

     نُقلتُ للمستشفى. كل من نظر على جسدي من الأطباء كان يقف محتارا  كيف يبدأ. ارتدوا كماماتهم، كانت رائحتي سيئة جدا لكن بدا عليهم التمرس. كانت المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها مستشفى. كان الفراش الأبيض دافئًا، وسرعان ما وُضِع عليه فراش آخر أزرق. وضعت مفارش كبيرة جدا تحتي تشبه الحفاظات. رفعوا رأسي ووضعوا لي كمامة أكسجين كالتي كنت أشاهدها في التلفاز حين يضعها الممثلون عند نقلهم بالإسعاف للمستشفى. كان يتصبب مني سائل أصفر اللون تارة، وتارة أخرى يشبه الماء. وُضِعت لي محاليل وريدية كثيرة وحاولت الممرضات جاهدات خلع قرط كان لا يزال معلقا ليس في أذني فحسب، بل تماسك مع شحمة أذني اليمنى التي مالت والتصقت بطرف فكي العلوي الذي بدا من خلفه ضرس العقل. كان فمي مشوّهًا جدًا.

     أمر الطبيب بخلع كمامة الأكسجين، وطلب تجهيز غرفة العمليات. شعرت ببرودة أطرافي وارتفع صدري، رفعت يدي فشعرت بالاختناق وأخذتني إغماءة ظننتها قصيرة لكن كانت لساعات. أُدخل جسدي المحترق للعمليات وشعرت ببرودة أنبوبة الجهاز التنفسي وهو يدخل إلى بداية قصبتي الهوائية. امتلأت رئتي بالهواء البارد ثم طردته خارجا. أصوات الأطباء والممرضات حولي، أصوات أدوات الجراحة، فتح علب المعقمات، أصوات فتح أكياس الشاش المعقم كلها كانت ترن في أذني. شعرت ببرودة جسدي للحظات منذ بدء إدخال المحاليل، بعدها لم أعد أشعر بألم.

     كنت بلا جلد، بقايا قطع البيجامة المحترقة لاتزال متيبسة على أطراف أصابعي. مكثت ما يقارب التسع ساعات في غرفة العمليات. حضر طبيب المسالك البولية ليحدث لي فتحة بعد أن التصقت كل معالم جهازي البولي ليقلل من حجم مثانتي التي سرعان ما امتلأت. شعرت بالحزن على أمي كلما تذكرت صراخها. لم يستطيعوا عمل شيء غير تضميد الجروح؛ لأني كنت أفقد السوائل من كل جسدي رغم المحاليل. وُضِع لي شبك صغير يحتوي مادة مضادة للالتهاب ثم غُطي رأسي ولفت ساقاي وذراعاي. كنت ما بين الإغماء والغفوة. وحين استيقظت اكتشفت أني ميتة وكل تلك القطع كانت لا توضع علي بل كانت تزال. هناك بالداخل لم يستطع الطبيب عمل شيء حتى جهاز الصدمات حين شحنوه لي ٣٦٠ جول رفض الطبيب قائلا: "DNR."* صمت الجميع فلم يعد جسدي المتفحم يقوى على المزيد من الألم وإن بقي فيه شيء من اللحم لكنه كان ذائبا.

     أغلق جهاز التنفس الصناعي، وسحب مني الأنبوب الذي لم يتمكنوا في البداية من أخذ مقاسه الصحيح لاختفاء شحمة أذني وبروز ضرس العقل الذي أربكهم.

     أُبعدت كافة المحاليل والأجزاء الملتحمة بجسدي وبقي القرط ممتزجا بأُذني. أحضروا لي سريرا حديديا وفرشا فوق شرشف أبيض غُطّي مرة أخرى بحفاظات كبيرة بعد أن كفنوني. مرت ساعتان على مكوثي. نقلت على السرير وعلقت على صدري ورقة تحمل اسمي وعمري وجنسي والتشخيص واسم الطبيب. كما علقت على قدمي ورقة أخرى تحمل البيانات نفسها. سحب العامل السرير لخارج غرفة العمليات. كانت أمي تصرخ وسقطت مغشيا عليها. جلس أبي على الأرض ولم يستطع الوقوف. سُحبت بصمت نحو ثلاجة الموتى لحين انتهاء إجراءات التشريح والتحقيق في سبب الوفاة وسبب الحريق.

حين وصولي لثلاجة الموتى، كان الصمت سيد المكان. أُخذ ملفي ووضعتُ في الدور بانتظار التشريح. كانت هناك جثة لميت آخر بدا لي من طول الشرشف الذي يغطيه أنه طفل. سمعت الطبيب يقول: "لقد انتهيت منه للتو." أخبر مساعده في الغرفة أن سبب الوفاة الخنق باليد حتى الموت. أزيحت جثة الطفل عن السرير الحديدي. كان الجو باردا جدا وسُحب الطفل إلى درجٍ قريبٍ من باب الغرفة المجاورة التي تفتح مباشرة على غرفة التشريح. حمل الطبيب خرطوم مرشة الماء وعمل على تنظيف السرير الحديدي ذا الثقوب الجانبية لنزول الماء. توجه مساعده ليساري. كان هناك دولاب ذو أربعة أدراج. سحب الثالث وتناول منه شرشفين ووضعهما على طاولة كانت قريبة. حمل أول ورقة ووضعها على طرف السرير الذي جئت عليه ثم أخذ الأخرى وألصقها بها.

ناداه الطبيب: "أعطني القادم الآن."

 أجابه: "ماجدة، أنثى، 35 سنة. التشخيص حروق من الدرجة الرابعة."

قال الطبيب بعد أن لبس كلاهما ملابس أخرى وكمامات وقفازات: "لننقلها على سرير التشريح."

 نقلت وأزيح عن جسدي كافة الشراشف التي ظننتها كفني ولم يكن هناك داعٍ  لدخولي هذه الغرفة اللعينة التي جردتني مجددا من كل شيء.

     وضع مساعد الطبيب شرشفا حجب به من صدري إلى الركبتين رغم أنه لم تعد هناك معالم بارزة في جسدي تذكر. سأل مساعد الطبيب إن كان قد رأى مثل حالتي هذه فأجابه الطبيب: "كثيرًا لكن ليس كلهم حروق؛ بعضها بسبب حوادث وهناك المتعمدة منها." شرد المساعد قليلا فناداه الطبيب قائلا: "لن أقضي اليوم كله مع هذه الرائحة!"

أخرج المساعد حوضًا كلوي الشكل يحوي معدات عرفتُ من صوتها أنها من الحديد. وضعها على طاولة قرب رأسي. التقط الطبيب منها ملقطاً مسننا. حاول به سحب قرط أذني الذي تمنعَ عن الخروج معه رغم محاولاته، لكنه تناول مقص التشريح وانتشله مع قليل من اللحم ووضعه في علبة ممتلئة بسائل أبيض شفاف وأحكم إغلاقها.

     وضع أصابعه على فكي الأيمن ونظر للتجويف الذي استقر فيه ضرس العقل بوضوح. أدار رأسي للجهة الأخرى ورفعه قليلا، ثم مسح بيده على رقبتي وقال لمساعده وهو يتحسس ترقوتي وحنجرتي: "سجل عندك: لا يوجد آثار لمشادة خنق ولا كدمات بالرأس، لكن يبدو أن الرأس كان بداية الاشتعال لأنه الأكثر تضررا ولا يغطيه لحم أو شعر كما الأطراف." تحسس بإصبعه عظام جمجمتي الصلعاء وفجأة انطفأت الكهرباء.

     صمت الطبيب قليلا ثم عاد رافعا صوته يشتم الصيانة التي لم تقرر تركيب محولات الكهرباء الجديدة وفصل غرفة التشريح عن غرفة الثلاجات سوى هذا الأسبوع. توجه المساعد لغرفة الأدراج حيث لم تزل الثلاجة مضاءة ثم طلب من الطبيب التوقف لحين عودة الكهرباء.

     قطع الصمت رنين الهاتف؛ إنه مهندس شركة الكهرباء يعلمهم أن انقطاع التيار سيستمر من أربع إلى ست ساعات. وأنه حاول الاتصال بهم قبل ساعة لاطلاعهم لكن لم يرد أحد عليه. أغلق المساعد الهاتف ونظر إلى الطبيب الذي كان لايزال جالسًا على كرسيه وعدسات نظارته تلمع مع الضوء المنعكس من غرفة الثلاجة. تنهد قائلا: "لنوقف التشريح اليوم ونعود مع عودة المولد للعمل. لندخلها في الدرج المخصص لها لحين عودة التيار الكهربائي."

 سُحبتُ وقد غُطي كامل جسدي لكن هذه المرة بكيس شفاف غلف كامل جسدي. فُتِح الدرج ١٣ ووُضِعتُ فيه.

 

*Do Not Resuscitate)  DNR)  هو أمر بإيقاف الإنعاش حال توقف المريض عن التنفس أو قلبه عن النبض. 

حضية خافي كاتبة من جازان تعمل في مهنة التمريض. صدرت لها ثلاث مجموعات قصصية: أسطورة بلاد النور، مسرحية الموت، وعلى أكتاف السماء.يمكن متابعة حسابها على تويتر alnoralmasgon@