من الناس من تصنعهم مدينة أو قرية أو حادثة مؤلمة، ومنهم من يحاول صنع مدينة لأنفسهم رغم تراكم الذكريات التي يحملونها أينما ذهبوا. تحمل حرير معها سرّ آسية، وتحمل آسية حادثة طفولة غيّرت مجرى حياة أسرتها، أما غزالة فتجد نفسها متأرجحة في الهواء تنتظر من يتلقفها. رواية الكاتبة العمانية جوخة الحارثي حرير الغزالة تتناول موضوع الهجر والتعايش معه، سواء كان هجر الأسماء أو الأشخاص أو الأمكنة. قرية الواحة والتي كانت تعرف باسم "شعرات باط" ترافق غزالة وآسية حتى بعد أن غادرتا القرية. ما يجمع الفتاتين هو حليب ثدي سعدة وذكريات الطفولة من اللعب بين قوائم البقرة محبوبة والاختباء بين أكياس الأرز إلى حمل نعش القط شيبوب في أرجاء القرية. 

     تصوّر الحارثي غرائز البشر من حب وغيرة ورغبة في القبول لدى الآخر في شخصياتها الأنثوية، والهجر الجسدي والعاطفي في الشخصيات الذكورية التي تغادر بصمت رغم الضجيج الذي أحدثه وجودها في حياة الأنثى. دور حرير في حياة غزالة وآسية، يشبه دور سانشو بانزا في حياة دون كيخوته. كلا حرير وسانشو يقومان بدور يعجز عنه أغلب البشر وهو فن الإنصات. لأن ليس كل مستمع منصت، فإن الإنصات يتطلب انتزاع الأنا من السامع ليتقبل حديث الآخر، يستوعبه، يتعاطف معه، مع الندم أحيانًا على المجاراة.  تتأمل حرير اختفاء آسية من الجامعة وتقول: 

"ماذا سيحدث لو أن الكلمات لم تُنطق؟ لو لم تَبُح آسية بالسر؟ … أين هو الحزم؟ أين سِكّينه ومديته؟ لا أرى غير انكساري على عتبته. سفح دمي بغير مديته، وانكسرتُ في كلّ انعطافة لذراع التجاهل. خدشني العتب في فمي. آذاني الصمت كما آذاني الكلام. قلت للأذية: لستِ مقصودة. لم ينتويك المحبوب لما شحذ سكينه. فسخرت مني. علّمتني ألا قيمة للنوايا إن تحدثت الأفعال. والعلمُ نور قاس بلا رحمة. ليت الأذية لم تعلمني شيئًا ولم تجلسني على مقعد درسها." 

     شخصيات الحارثي غير نمطية. تجد حرير سلوتها على صهوة الجواد، وآسية في التزام الاختفاء، أما غزالة فسلوتها ما تعلمته من آسية في قريتهم الصغيرة عندما أخذت آسية "غزالة الباكية من يدها وابتعدت. وصلتا إلى الفلج، فخلعت آسية قميصها مبقية على شلحتها، ساعدت غزالة على خلع قميصها، وغسلت لها وجهها بالماء لتزيل الدموع والمخاط من مرأى بحيرة الدم تحت البقرة، ثم قفزتا في ساقية الفلج، وأخذتا تتسابقان في السباحة ضد التيار…" 

     إن كان عقل حرير لا يكف عن التفكير في مصير آسية، و عقل غزالة منشغل بدوام الهجر الذي يجدها أينما ذهبت، فإن الإسطبل والبحر يشكلان ملجئًا للأنثى التي تجد في الصفاء الذهني المؤقت تلاحمًا مع طفولتها التي لم تغادرها مهما عصف الزمن بها من نوائب. 

Screen Shot 2021-09-25 at 9.06.23 PM.png

حرير الغزالة

جوخة الحارثي

رواية، الطبعة الأولى، 183 صفحة

2021 الناشر: دار الآداب