المُهاجِرُ  

تامر إسماعيل حميدي

 

أَسرَى بِيَ الشَّوقُ نَبضًا عَن يَمِينِ "قُبَا" 

وَعَن شِمَالِيَ حُبٌّ أَتبَعَ السَّبَبا
 

هَبَّتْ كَرِيحِ الصَّبَا أَنغَامُهُ سَحَرًا 

فَهَيَّجَتْ وَتَرَ الوِجدَانِ لَحنَ صَبا
 

كَم كانَ يَمضَغُنِي هَمِّي وَتَشرَبُنِ

مَخاوِفِي أَبحُرًا أَمضِي بِهَا حُقُبا
 

حَتَّى بَلَغتُ الهُدى حَبوًا لِوَاحَتِه

مِن شُقَّةٍ أَشبَعَتْ مُجتَازَهَا نَصَبا
 

وَكانَ بَيتُ رَسُولِ اللهِ يَرمُقُنِي

وَالنَّفسُ حِينَ تَجَلَّى اغرَورَقَتْ أَدَبا
 

وَلَاحَ مِنبَرُهُ المِسكِيُّ إِذ عَبَقَتْ  

عُطُورُهُ فَاستَمالَتْ مُهجَتِي طَرَبا
 

وَأَجلَسَتنِي- لَدى المِحرَابِ- سِيرَتُهُ

أَهِيمُ فِي ضَوئِهَا المُمتَدِّ مُنجَذِبا
 

صَوتٌ تُرَاوِحُ رِيحَ الصَّدرِ خَشيَتُه

قَرُبتُ جَاوَزَنِي، جَاوزتُهُ اقتَربا
 

(مَن أَنتَ؟) نُودِيتُ؛ فَاضَتْ دَمعَتِي فَرَحًا

(مَن أَنتَ؟) وَارتَعَشَتْ رُوحِي لَهُ رَهَبا
 

[مُهاجِرٌ مُستَقِيلٌ مِن عَنا أَمَلِ

إِلَيكَ - يَا سَيِّدِي- هاجَرتُ مُحتَسِبا]
 

قِيلَ: (اخلَعِ الحُزنَ عَن رُوحٍ، وَعَن جَسَدٍ 

وَاركُضْ بِقَلبِكَ فِي ماءِ الرِّضا خَبَبا 
 

وَأَلقِ شِعرَكَ يَلقَفْ ما أُصِبتَ بِهِ 

مِن سَاحِرِ الغَمِّ إِمَّا خَرَّ مُنغَلِبا)
 

فَقُلتُ: [يا سَيِّدِي تَوَّجتَ قافِيَتِي

فَمَدحُكَ الشَّرَفُ المعْلِي لَها الرُّتَبَا
 

نُبِّئتُ أَنَّكَ مَأوًى مِن لَظى شَجَنِي 

وَأَنَّ بُردَتَكَ ازدانَتْ لِمَن رَغِبا
 

حِضنُ المَساكِينِ أَنتَ ارأَفْ بِذي شَجنٍ 

مِن أجلِ لُقياكَ طافَ الكونَ مُضطَرِبا
 

بِضاعَتِي لَكَ مُزجاةٌ، وَمِنسَأَتِي

هَشَّتْ عَلى البَوحِ، لَم تَعدِل بِهِ أَرَبا
 

مِن صُبحِ بِعثَتِكَ الأَكوانُ مُشرِقَةٌ

زَخَّاتُ بِشرِكَ أَسقَتها الحَيا شُعَبا
 

"جِبرِيلُ" بِالوَحيِ أَذكى ضَوءَ كُوَّتِهَا 

فَاستَسلَمَ الظُّلمُ خِزيًا، وَانثَنى هَرَبا
 

ضَمَّاتُهُ صَبَّتِ الحُبَّ النَّدِيَّ رُؤًى

"اقرَأْ"، وَأَنتَ الَّذِي لَم تَصحَبِ الكُتُبا
   

لَبَّى "حِرَاءَ" النِّدا إِذ فاضَ مِن "أُحُدٍ

إِلَى الدُّنا هادِيًا، كَالدِّيمَةِ انسَكَبا
 

فَجِئتَ؛ وَالنَّارُ تَبرِي فِي بَراثِنِهَا

وَنافِخُ الكِيرِ يَسقِي رَبَّهُ لَهَبا
 

وَالجاهِلِيَّةُ غُولٌ غالَ أُمَّتَه

رَمَاهُمُ فِي رَحى تَنُّورِهِ حَطَبا
 

حَجُّوا مُكاءً إِلى العُزَّى، وَتَصدِيَة

لِلَّاتِ، مَا فَتِئَتْ تَغذُوهُمُ الكَذِبا
 

أَصلَيتَها البَردَ طُهرًا، وَالسَّلامَ عُرًى

فَخابَ شَيطانُهَا فِي شُؤمِهِ  وَخَبا
 

تَمَّمتَ بِالحُسنِ أَخلاقًا خَتَمتَ بِها

زَرعَ المَكارِمِ فِي جَنَّاتِها  دَأَبا 
 

سُبحانَ مَن جَعَلَ الإِسراءَ نَافِذَةً

لِلشَّرحِ وَالفَتحِ! وَالمِعراجَ مُنقَلَبا
 

فَوَقَّعَ الرُّسُلُ المِيثَاقَ حِينَئِذٍ

شُهُودُهُ النَّصرُ وَالإِيمَانُ قَد وَجَبا
 

يا قابَ قَوسَينِ- مِن مَولاكَ- جِئتَ عُلًا

بُلِّغتَ فِيها ذُرًى قُدسِيَّةً وَرُبا
 

فَسِدرَةُ المُنتَهى؛ أَكمامُها امتَلأَتْ 

سَعدًا، وَشَاطِئُهَا البِكْرُ انحَنى رَحَبا  
 

وَعُدتَ وَالزُّهدُ تاجٌ ما خَلَعتَ بِه

ثَوبَ التَّواضُعِ، بَل طَرَّزتَهُ أَدَبا
 

تِرياقُ سُنَّتِكَ الغَرَّاءِ رَوحُ شِفا

قَضى بِهِ الدَّاءُ نَحبًا بَعدَ مَا شَحَبا
 

الخَيرُ أَنتَ غِياثُ الخَيرِ يَنبُعُ مِن

دَعواكَ سَحًّا، إِلى أَرواحِنا سَرَبا

يَأوِي لَكَ الفَضلُ وَالأَخلاقُ أَحسَنُها

كَأَنَّها عِترَةٌ تاهَتْ بِكُم نَسَبا
 

الِّلينُ حُلَّتُها، وَالعَفوُ عِمَّتُها

وَاليُسرَ صَيَّرتَهُ أُمًّا لَها وَأَبا
 

جَنَيتَ فِي الفَتحِ غَرسًا كُنتَ بَاذِرَهُ

فِي "الأَخشَبَينِ", وَيَنعًا كانَ مُرتَقَبا
 

بَدَّلتَ حِقدَ العِدى بِالحِلمِ حِرصَ أَخٍ 

وَالحِلمُ سَيفٌ يُداوِي مَن أَبى وَنَبا 
 

يَداكَ وَالجُودُ صِنوانٌ هَزَزتَ بِها

جِذعَ السَّخاءِ فَجَادَتْ بِالنَّدَى رُطَبا
 

وَغَزوَةٍ كَشَفَتْ عَن ساقِ تَهلُكَة

هَزَمتَ -وَحدَكَ- فِيها الجَحفَلَ الَّلجِبا
 

وَما الشَّجاعَةُ إِلَّا هَيبَةٌ هَرَبَتْ

إِلَيكَ مِنكَ، ارتَدَتْ -مِن رَهبَةٍ- رَغَبا
 

عَزمٌ يَمِينُكَ، إِذ يُسراكَ مَرحَمَةٌ 

شَمسٌ وَبَدرٌ بِنُورِ الحَقِّ مَا نَضَبا 
 

يَنبُوعُ نَهجِكَ دَفَّاقُ الفَضائِلِ يَجْـ

ـرِي بِالمَحاسِنِ، مَوهُوبًا، وَمُكتَسَبا
 

دانَتْ لَكَ المُعجِزاتُ، اذَّلَّلَتْ خَدَمًا 

فَالبَدرُ شُقَّ، وَحَنَّ الجِذعُ وانتَحَبا
 

فِي بَيعَةِ الذِّئبِ، فِي شَكوى البَعِيرِ، وَمِن

مُزنِ الأَصابِعِ تَسبِيحُ الحَصى شَرِبا
 

أَسقَيتَ صَحبَكَ حُبَّ اللهِ مَحضَ تُقًى

فَأَثمَرُوا فِي مَدانا سادَةً نُجَبا
 

حَوَّلتَ مِلحَ عَداواتٍ تُفَرِّقُهُم 

أَحلَى مِنَ الشَّهدِ، وَصْلًا لَم يُصِبْ عَتَبا
 

لَو راوَدَ الفَخرُ ذا جاهٍ وَذا نَسَبٍ

فَالنُّورُ مِنكَ أَضاءَ الأَصلَ وَالحَسَبا
 

هُنا – بِطَيبَةَ - حَيثُ الرُّوحُ حالِمَةٌ 

وَحَيثُ يَستَوطِنُ الإِيمانُ مُنذُ حَبا
 

أُعانِقُ الفَجرَ فِي مِشكاةِ طَلعَتِه

وَأَرشُفُ الوَحيَ مِن مِيزابِهِ عَذَبا
 

أَنَختُ آمالِيَ الجَذلى بِرَوضَتِهَا، اسْـــ

ـتَوطَنتُ كَوكَبَها الدُّرِّيَّ مُغتَرِبا
 

طَوَّفتُ مَشرِقَ إِحسَاسِي وَمَغرِبَهُ

وَبَينَ سَدَّيهِ أَفرَغتُ الرَّجا طَلَبا
 

فَلا الأَمَانِيُّ هَدَّتهَا مُناوَشَتِ

وَلَا عُيُونِيَ أَعياهَا الَّذِي انسَكَبا]
 

قِيلَ: (ارفَعِ الرَّأسَ، جاوِرْ أَمنَ ساحَتِنا

وَالزَمْ حِمانا، وَعانِقْ بِالرُّؤَى السُّحُبا
 

هَذَا بَشِيرُكَ قَد أَلقَى القَمِيصَ، وَأَهـ

داكَ الصُّواعَ، فَطِب وَافرَحْ بِمَا جَلِبا
 

قُمْ داوِ جُرحَكَ مِن يَقطِينِ دَوحَتِنا 

فِي رَوضَةٍ أَسدَلَتْ أَنوارَها حُجُبا)
 

[يا سَيِّدِي، راغَ حَرفِي فِي مَدائِحِهِ

مُستَسمِنًا لِقَوافٍ ظَنَّها الذَّهَبا

فَارتَدَّ صِفرًا عَلَى آثارِهِ قَصَصًا 

وَتاهَ فِي بَحرِكُم مِن جُودِكُم عَجَبا
 

يَغفُو المَدِيحُ عَلى أَبوابِكُم شَغِفًا

لِيُوقِظَ الفَجرَ للآمَالِ مُطَّلِبا
 

عَلَّ الشَّفاعَةَ إمَّا جِئتُها نَهَرًا

أَنالُ شَربَةَ سَعدٍ تُذهِبُ التَّعَبا 
 

صَلَّى عَلَيكَ إِلَهِي كُلَّما عَمَرَتْ 

وَجهَ السَّماءِ نُجُومٌ تَنثُرُ الشُّهُبا
 

وَما تَنَفَّسَ صُبحٌ، وَاستَفاقَ ضُحًى

أَو عَسعَسَ الَّليلُ فِي الأَرجاءِ أَو ذَهَبا]

تامر إسماعيل حميدي شاعر مصري ومعلّم لغة عربية. نشأ في المدينة المنوّرة وحصل على درجة الماجستير في البلاغة والأدب والنقد من الجامعة الإسلامية. فاز بالمركز الأول في مسابقة شاعر طيبة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم عام ١٤٢٨ وله ديوان شعر مطبوع بعنوان صهوة الجوزاء.