مصباح يجلب العتمة

محمد الراشدي

"هات فكرتك."

"مصباح.. مصباح يجلب العتمة."

"لن يكون مصباحًا إذًا."

"ليكن.. فالتسميات لا تهمنا الآن، وحين تنضج الفكرة سنختار لها اسمًا يناسبها."

"حسنا.. اشرح فكرتك."

"النهار يا سيدي.. النهار طاغية جبار. ينقعنا في هجيره وأضوائه ساعات طوال، ثم حين يدنو الليل يتسرب النهار إلينا من حلوق المصابيح، وأعمدة الإضاءة، وشغب النيون؛ فينقض طمأنينة ليلنا ومباهج عتمتنا."

"وما المشكلة؟"

"نحن نحيف على الليل - يا سيدي- حين نستعير لأجله وهجًا من نهار. حين نزاحم عتمته بسهاد القناديل. الليل يحترق كله لو أضرم فيه عود ثقاب، بينما تتناسل بين أيدينا المصابيح كعيون النهار المشرعة على ليلنا، خيانات النور التي أربكت جلال العتمة. المصابيح طعنات الضوء في دثار أحلامنا. زجاجات بلهاء منطقها لغو الضوء وثرثرته. ولأن أحدًا لم يفكر من قبل في أن يثخن كبرياء النهار بنزر من عتمَة؛ قررت أن أبتكر مصباحا يجلب العتمة في أي وقت."

"فكرة مجنونة... أقصد فكرة ذكية."

"سأهزم النهار يا سيدي.. سأبتكر في البدء مصابيح عتمة منزلية توصل بالكهرباء فيسقط الليل فجأة في وضح الظهيرة. ستنحسر سطوة الضوء الذي طالما شرد الظلام وألزم فلوله الأقبية والزوايا وتسلل إليه حتى من صدوع الجدران وثقوب الأبواب."

"ثم...؟"

"ثم أبتكر للشوارع عتمة تليق بها. أعمدة تسكب الظلام لمن ينشدون دروبا مجللة بالسواد. سأختار شارعا طويلا وأغرس في رصيفه الأعمدة. ستكون العتمة متاحة سائر الوقت ومجانية أيضا. وليس ذلك فقط..."

"ماذا أيضا؟"

"سأصمم عبوات عتمة صغيرة متنقلة تصلح للسفر. لن ترهق أضواء النهار أحداق المسافرين بعد هذا الابتكار. سيحمل كل مسافر ليله ويستمتع به وقت يشاء."

"جميل جدا!"

ثم ساد في الغرفة صمت، وانكفأ الطبيب يكتب في أوراقه لدقائق، قبل أن يلتفت إلى الممرض الفارع الطول، ضخم الجثة، الذي يقف غير بعيد عنه، ويؤشر له بأصابع كفه.

فهم الممرض الإشارة، واقترب من الرجل صاحب الفكرة. أدخل يده أسفل كتفه. نهض الرجل والممرض يتشبث به بقوة. سارا معًا نحو الباب. وقبل الخروج التفت الرجل صاحب الفكرة جهة الطبيب وقال:

"متى سأبدأ العمل يا سيدي؟"

"يمكنك أن تبدأ الآن."

ملأ صراخ الرجل صاحب الفكرة الممرات والعنابر في طريقه إلى مهجعه، وكان يتوقف عن المشي أحيانا وينزع ذراعه من يد الممرض، ويتباعد عنه قليلا ليرقص مسرورا بفكرته، بينما الطبيب في عيادته ينادي:

"أدخلوا المجنون الذي يليه!"
 

محمد الراشدي هو قاص وناقد. له ست إصدارات في القصة القصيرة، والنقد الأدبي، والكتابة الساخرة. حائز على أربع جوائز أدبية في مجال القصة. آخر إصدارته مجموعة قصصية بعنوان سقف مستعار. يمكن متابعة حسابه على تويتر rashdi29@