الوقت المناسب

ابتهال أبو علي

 

     ها أنا الآن، على بعد دقيقة من إنهاء هذا الاقتران الشرير، ومنع هذين الاثنين من إلحاق الأذى بي إلى الأبد. ها أنا على بعد دقيقة من إنقاذي من براثنهما، فهل أفعلها؟

     كانت عينا والدي تمران بملل على الحضور، وبعد دقيقة ستقعان على والدتي لأول مرة، فيرتعش وتر في قلبه، ولا يغادر المكان قبل أن يعرف اسمها وعنوانها. إذا سمحتُ له بأن يحدثها، وإذا سمحتُ لها أن تغويه بحديثها المغناج وعيونها الناعسة. إذا وقعتْ عيناه على صدرها الناهد الصغير واستدارة ردفيها. إذا سَمِعَتْ دقيقتين من حديثه المنمق الرومانسي، والكلمات اللطيفة التي تدرب مرارا عليها، وحفظها من أغاني الحب والأفلام العاطفية. لن تمر ستة شهور قبل أن يكونا وحيدين في غرفة مظلمة، يصنعاني. الحق أنهما يليقان جدا ببعضهما، فهو صورة الفتى الوسيم الذي خرج توا من أحد الأفلام العاطفية التي تدمنها، بشعره المثبت بالجل، شاربه الخفيف جدا، وثيابه الأنيقة المهندمة، وهو أيضا عذب الكلام. أما هي فصورة الفتاة الجميلة الممشوقة القوام التي داعبت أحلامه الجنسية طويلا. لقد كان لدى كل منهما ما يحتاجه الآخر ولا أكثر منه. ولن يكونا بحاجة إلى أن يعرفا عن الآخر أكثر مما يمكن أن يعرفاه من اللقاء صدفة في حفل تخرج لصديق مشترك، ولا أكثر مما يريد حيوان منوي أن يعرفه عن البويضة. هنا يتقرر مصير وجودي في الحياة، بدون الكثير من التفكير. ومن بوسعه التفكير في ضجيج الموسيقى الراقصة.

     لو أني لا أتدخل في الوقت المناسب، لن تكون سوى سنوات قليلة  قبل أن تبدأ رحلة شقائي. أم يجدر أن أقول أنها رحلة شقائهما؟ فهما منذ البداية لن يكونا مستعدين لتحمل مشقة الاعتناء بطفل. سيقعان أولاً في إغراء الضحكة الطفولية لفمٍ خالٍ من الأسنان، والبشرة الناعمة، ورائحة بودرة الأطفال المثيرة. لحسن الحظ أن بوسع الطفل في سنواته الأولى أن يبدو جميلا ومضحكا ومطواعا كدمية لعب، وفي أسوأ الأحوال: لديه ما يكفي من جاذبية طفولية ليبدو مدهشا في صور الإنستغرام، ويجعل والديه يبدوان رائعين وسعيدين. ما أبهظ ثمن صورة التعريف الشخصي في تطبيق التواصل.

لم يخبرهما أحد أنه عندما تمارس الجنس ينبغي التفكير فيمن سيبدل الحفاظ، ومن سيحمل الطفل ويهزه لإسكات بكائه في هزيع الليل المتأخر، ومن سيتخلى عن اجتماعه المهم في العمل لأخذه للمشفى، ومن سيجالسه ليلة السبت عندما يذهب الآخر إلى حياته الخاصة. تذهب السكرة سريعا ويبدآن في إتقان مهارات جديدة تتعلق بتوريط أحد آخر بمجالسة الطفل والعناية به. لحسن الحظ هناك الخادمة.

     لو أني لا أتدخل في الوقت المناسب، لن يتأخر الوقت قبل أن نصل إلى زمن مشاجراتهم الخانقة، حول تكرار عودته المتأخرة إلى البيت، حول ابتسامتها اللعوب لا أعرف لمن، حول فشله في مرافقتها لتسوق ملابس أنيقة تجعلنا نظهر مثيرين للإعجاب في صور الإنستغرام، حول أي سبب تافه يجدانه ليصرخا في وجه بعضهما، ثم أبدأ في تلقي نصيبي من غضبهما: شتائم لوقوفي عند الباب، أو لجلوسي أمامهما في تلك اللحظة، أو صفعات مباغتة لأني ضحكت، أو انتقام عنيف لأني لا أصدر أي رد فعل، وغضب غير مفهوم إذا لم أحرز العلامة التي يعتبرانها جيدة في مادة دراسية لا يعرفان شيئا عنها. إنه زمن اكتشاف الله الذي لم يجدا الوقت لإرشادي إليه، إلا بشكل عابر في معرض التهديد بالعقاب. إنه زمن الصلاة ليصلح الحال، وتغدو هذه الأسرة أكثر شبها بالنماذج السعيدة والمتحابة التي تتحدث عنها كتب المدرسة. لماذا لا تتحدث كتب المدرسة عن كيفية التصرف عندما يصرخ والديك ضد بعضهما على طاولة الطعام؟

     لو أني لا أتدخل في الوقت المناسب، سيجيء الوقت الذي يعود فيه إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل، وتكون هي في انتظاره لتبدأ مشاجرة مملة بينهما. في غرفتي المظلمة أحاول ألّا أسمع صراخهما، وبكاءها. أتظاهر أنه لا يضربها وأنها لا تشتمه بكلمات تمنعني من لفظها. لكن الوقت سيضغط على صدري، ويد ثقيلة سترفعني من سريري لتلقيني إلى الأرض وتبدأ لكمي. أسمع صوته قادما من عالم آخر "عنيد غبي. هذا لتتعلم الالتزام بالأوامر، ولا تغادر البيت دون إذن،" لكن كل لكمة يسددها إلى جسدي كانت تقول إنّ ”حياتنا كان يمكن أن تأخذ مسارات أفضل دونك“. كانت ستحاول جره ودفعه وضربه، وكنت سأملك من قوة الجسد ما يكفي لإيقافه، ربما قتله، لكن الطفل في داخلي كان ملقى هناك على الأرض في صدمة.

     لو أني لا أتدخل في الوقت المناسب، سيجيء الوقت الذي يهجرها فيه، ويتركها وحيدة تُبكي نفسها حتى النوم كل ليلة، بعد مشاهدة أحد أفلامها العاطفية الحزينة المفضلة، حيث ينتهي الفيلم باجتماع الحبيبين وقبل أن يصير لديهما طفل ومشاكل. لا أستطيع أن أفهم ما الذي تبكي لخسارته بالضبط. فهي نفسها طالما قالت إنها لا تحبه. إنها حزينة وكئيبة وبائسة. وأنا وحيدٌ جدا، لكني لست حزينا. لقد اكتشفت لنفسي عالما آخر، عرّفني عليه صديقي هشام. عالمًا تلجه بمجرد استنشاق أعشاب الجنة، كما يسميها. بعيدا عن سكون البيت البارد، بعيدا عن الأستاذ عمر الذي يرمي في وجهي شهادتي بأرقام مطبوعة بالأحمر، بعيدا عن والد صديقي محمد الذي لا يكف عن تحميلي سلامه إلى والديّ كلما التقاني ساعة يلتقط ابنه من المدرسة، بعيدا عن جهنم الله التي أعدها خصيصا لي لأني لا أصلي.

     لو أني لا أتدخل في الوقت المناسب، سيجيء الوقت الذي تطير فيه أحلامي بعيدا، أنا الذي كنت أحلم أن أصبح طياراً. سيحدث أن أفشل في الامتحانات الدراسية أكثر من اللازم، ثم لا تعود المدرسة أيضا قادرة على تقبل وجودي فيها. على أية حال، ما حاجتي للأحلام الخالية من الأمل، حين بوسعي الطيران عبر "نشوق" هشام؟ الآن وأنا محلق في الجنة، أراهما وأرى كل شيء. يحاول هشام إيقاظي وإعادتي إلى الغرفة الصغيرة الخانقة، إلى المنزل القذر الذي تراكمت في أنحائه كثبان عشوائية من الثياب النظيفة والمستخدمة، وصحون لم يزل بها بقايا الطعام، وحاجيات توقفنا عن استخدامها منذ سنوات. لماذا تريد أن تعيدني إلى هذا المكان المزعج يا هشام؟ دعني في تحليقي. دعني أراقبهما والقدر على وشك أن يجمعهما في حفلة تافهة. ولقد خطرت ببالي فكرة مدهشة يا هشام.

     لو أني أخطو خارج الزمن، ثم أعود لأصل في الوقت المناسب. ها أنا الآن، على بعد دقيقة من اللحظة التي تتلاقى فيها أعينهما، أتقدم نحوه مباشرة وأقول بغير لطف: ”لماذا تنظر بهذه الطريقة إلى صديقتي؟“

يتفاجأ، ينظر إليّ دون أن يتعرف فيّ نطفته التي بلغت سبعة عشر عاماً: ”أية صديقة؟ لم أنظر لصديقتك أيا تكن!“

لكني كنت مستعدا للشجار معه، أرفع قبضتي في وجهه للمرة الأولى، وأعرف حين أمنع لقاءهما الأول من أن يكون، أنها ستكون الأخيرة في حياتي.

 

إبتهال أبوعلي كاتبة بحرينية، صدر لها مجموعة قصصية بعنوان ولد في ٢٠١٢

قارئة نهمة ومدونة متقطعة على  https://ebtihals.blogspot.com

للتواصل: ebtihals@gmail.com